هبة زووم – الفقيه بنصالح
في الفقيه بنصالح، يبدو أن المشهد الإداري والسياسي لا يزال يطرح أكثر من سؤال، خصوصاً بعد التطورات القضائية التي طالت الرئيس السابق للمجلس الجماعي والوزير الأسبق محمد مبديع، وما رافقها من نقاش واسع حول المسؤوليات السياسية والإدارية التي أحاطت بسنوات من تدبير الشأن المحلي.
وفي قلب هذا النقاش، يعود اسم عامل إقليم الفقيه بنصالح، محمد القرناشي، إلى الواجهة، ليس بالضرورة باعتباره طرفاً في الملفات القضائية التي تلاحق مبديع، وإنما باعتباره المسؤول الترابي الأول بالإقليم، وهو ما يجعل أداء العمالة وطريقة تدبيرها للشأن المحلي محل مساءلة سياسية وإدارية مشروعة.
فبعد سقوط عدد من الوجوه التي ظلت لسنوات حاضرة في المشهد المحلي، لم يعد السؤال بالنسبة إلى ساكنة الفقيه بنصالح مرتبطاً فقط بمن غادر المشهد، وإنما أيضاً بمن بقي في مواقع المسؤولية، وبمدى قدرته على تقديم نموذج مختلف في الحكامة والتدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة.
القضية هنا ليست إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، وإنما طرح سؤال بسيط ومباشر: ماذا تغير في طريقة تدبير الإقليم بعد كل هذه التطورات؟ فالمواطن لا يريد فقط تغيير الأسماء، بل يريد تغييراً في أسلوب الإدارة، وفي علاقة المسؤول الترابي بالمنتخبين، وفي طريقة اتخاذ القرار، وفي التعامل مع الملفات الاجتماعية والتنموية التي ظلت لسنوات مثار نقاش وانتقاد.
أما تحويل المشهد إلى ما يشبه “سيركاً سياسياً”، حيث تتداخل الحسابات والولاءات والانتظارات، فإنه لا يخدم صورة الإدارة الترابية ولا يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات.
والأخطر من ذلك أن استمرار بعض الممارسات أو الانطباعات نفسها بعد سقوط شخصيات سياسية وازنة قد يجعل المواطن يتساءل: هل تغيرت قواعد اللعبة فعلاً، أم أن الأشخاص فقط هم الذين يتغيرون؟
لقد أظهرت متابعة مبديع قضائياً أن النفوذ السياسي، مهما طال، لا ينبغي أن يكون مظلة دائمة تحجب المسؤولية عندما تتوفر معطيات تستوجب البحث والتحقيق، وهذه قاعدة لا ينبغي أن تكون انتقائية، بل يجب أن تنطبق على الجميع، كلٌّ بحسب مسؤوليته وما يثبت في حقه من أفعال.
ومن هنا، فإن خروج مبديع من دائرة النفوذ لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد نهاية فصل وبداية فصل آخر، وإنما إلى مناسبة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة والمنتخبين، وإرساء قواعد واضحة تجعل القانون والمؤسسات فوق الأشخاص والتحالفات والحسابات الانتخابية.
وإذا كانت هناك اتهامات أو شبهات تتعلق بأي مسؤول أو منتخب أو مسؤول إداري، فإن مكانها الطبيعي هو التحقيق المؤسساتي والقضاء، وليس المنابر الإعلامية أو جلسات الكواليس. أما المسؤول الذي لم تثبت في حقه أية مخالفة، فمن غير المهني تحميله مسؤولية أفعال غيره.
لكن ذلك لا يعفي عامل الإقليم من المساءلة السياسية والإدارية حول حصيلة تدبيره: ما الذي تحقق؟ ما هي الملفات التي تم حلها؟ ماذا عن التنمية؟ ماذا عن الجماعات الترابية؟ ماذا عن المشاريع المتعثرة؟ وماذا عن علاقة الإدارة بالمواطن والمنتخب والمجتمع المدني؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة، بدل الانشغال بمن يصفق لمن، ومن يتحرك مع من، ومن انتهى نفوذه ومن بقي في موقعه، فالفقيه بن صالح ليست مسرحاً، والمواطنون ليسوا جمهوراً جاء لمتابعة عرض سياسي. إنها منطقة لها مشاكلها وانتظاراتها ومواردها، وتحتاج إلى إدارة قوية بالقانون، لا بالقُرب من هذا الطرف أو ذاك، وإلى منتخبين يحاسبهم الناخبون، ومسؤولين ترابيين تحكمهم قواعد واضحة للمسؤولية والشفافية.
أما العبارة الساخرة القائلة إن “لا العمالة صالحة للعامل ولا العامل صالح لها”، فهي في النهاية حكم سياسي وإعلامي يحتاج إلى وقائع وحصيلة حتى يتحول من شعار إلى تقييم موضوعي، والحصيلة وحدها هي التي يجب أن تتحدث.
فإذا كانت الإدارة ناجحة، فلتقدم أرقامها ومشاريعها ونتائجها. وإذا كانت هناك اختلالات، فلتُفتح بشأنها أبواب المراقبة والافتحاص والمساءلة. أما استمرار الغموض، فإنه لا يؤدي إلا إلى توسيع مساحة الشك.
وبعد كل ما وقع، يبقى السؤال الحقيقي الذي ينتظر جواباً من المؤسسات، لا من الكواليس: هل كانت محاكمة مبديع مجرد نهاية لرجل سياسي، أم أنها ستكون بداية مرحلة جديدة يصبح فيها معيار المسؤولية هو القانون والحصيلة، وليس الولاءات والعلاقات؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للفقيه بنصالح، وهو امتحان لا يخص العامل وحده، بل الإدارة والمنتخبين والأحزاب، وفي النهاية المواطن الذي ظل لسنوات يدفع ثمن أخطاء السياسة حين تتحول المؤسسات إلى ساحة للصراعات بدل أن تكون فضاءً لخدمة الناس.
تعليقات الزوار