هبة زووم – الدار البيضاء
في مدينة بحجم الدار البيضاء، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والاجتماعية مع رهانات التدبير المحلي، يطفو إلى الواجهة سؤال محرج حول تجديد النخب السياسية وحدود تكافؤ الفرص داخل الأحزاب: هل أصبحت بعض المواقع الانتخابية مجالاً لإعادة إنتاج النفوذ العائلي، بدل أن تكون فضاءً مفتوحاً أمام الكفاءات والطاقات الجديدة؟
لا يتعلق الأمر بمجرد انتقال أبناء بعض الوجوه السياسية إلى العمل الحزبي أو خوض الانتخابات، فذلك حق مشروع تكفله القواعد الديمقراطية متى احترمت شروط المنافسة. إنما تكمن الإشكالية في احتمال تحول الامتداد العائلي، في بعض الحالات، إلى أفضلية غير معلنة تفتح أبواب التزكية والتموقع أمام أسماء بعينها، بينما تجد كفاءات أخرى نفسها خارج دائرة القرار بسبب غياب العلاقات والنفوذ.
هنا تبدأ المسافة بين الحق في المشاركة السياسية وبين احتكار الفرص، وبين تجديد الوجوه وتجديد الممارسة. فهل تقدم الأسماء الجديدة مشاريع مستقلة ورؤى مختلفة، أم أن بعضها لا يعدو أن يكون امتداداً سياسياً لوجوه سابقة، تستمر عبره المصالح والتحالفات نفسها بأسماء مختلفة؟
حين تتحول الروابط العائلية إلى رأسمال انتخابي
في المشهد السياسي المحلي، قد تمنح الشهرة العائلية والامتدادات التنظيمية والقدرة على تعبئة الأنصار أفضلية انتخابية واضحة. لكن هذه الأفضلية تثير إشكالاً ديمقراطياً عندما تصبح، في نظر المنافسين أو المتتبعين، بديلاً عن التنافس على أساس البرامج والكفاءة والنزاهة.
وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلق الأمر بتزكيات الأحزاب، التي يفترض أن تشكل محطة لتقييم أهلية المرشحين وقدرتهم على تمثيل المواطنين، لا مجرد مناسبة لإعادة ترتيب الولاءات أو الحفاظ على توازنات داخلية تخدم أصحاب النفوذ.
فالحزب الذي يرفع شعار تجديد النخب مطالب بأن يوضح المعايير التي يعتمدها في اختيار مرشحيه، وكيف يضمن المساواة بين المناضلين، وما إذا كانت قرارات التزكية تستند إلى الكفاءة والالتزام والقدرة على تقديم مشروع انتخابي مقنع، أم تتأثر باعتبارات أخرى لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
ولا يكفي تقديم شاب أو شابة من عائلة سياسية معروفة باعتباره وجهاً جديداً للحكم على وجود تجديد حقيقي. فالتجديد لا يقاس بالعمر أو الاسم، بل باستقلالية القرار، وجودة الأفكار، والقدرة على مساءلة الممارسات السابقة وتقديم بدائل ملموسة.
وجوه جديدة.. أم إعادة تدوير للنفوذ؟
المشكلة الأساسية لا تكمن في انتماء المرشح إلى عائلة سبق أن مارست السياسة، بل في غياب تكافؤ الفرص إذا ثبت أن الاسم العائلي يمنح صاحبه امتيازات لا تتاح لبقية المرشحين، أو أن مواقع القرار الحزبي تُدار بطريقة تُضعف المنافسة الداخلية وتحد من فرص الكفاءات المستقلة.
وفي مثل هذه الحالات، يصبح الحديث عن تجديد النخب مجرد تغيير في الواجهة، بينما تستمر آليات النفوذ نفسها في تحديد من يصل إلى مواقع التمثيل ومن يبقى خارجها.
أما الحديث عن وجود «دمى سياسية» تتحرك وفق توجيهات الآباء أو أصحاب النفوذ، فهو اتهام لا يجوز إطلاقه على أشخاص بعينهم من دون أدلة موثقة، لكن السؤال المشروع يظل قائماً: ما الضمانات التي تكفل استقلالية المنتخبين في اتخاذ القرار، بعيداً عن الضغوط العائلية أو المصالح الخاصة أو التبعية للجهات التي ساهمت في وصولهم إلى مواقع المسؤولية؟
إن استقلالية المنتخب لا تُقاس بنسبه العائلي، وإنما بمواقفه المعلنة، وطريقة تصويته، وممارسته الرقابية، ومدى خضوع قراراته لمصلحة المواطنين والقانون. ومن هنا، فإن تقييم التجارب السياسية ينبغي أن يستند إلى الأداء الفعلي والمعطيات القابلة للتحقق، لا إلى الأسماء وحدها.
الديمقراطية الداخلية.. الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية أساسية في مواجهة أي ممارسات قد تؤدي إلى احتكار التزكيات أو إضعاف التنافس الداخلي. فالديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط، بل تنطلق من داخل التنظيمات الحزبية، حيث تُحدد معايير اختيار المرشحين، وتُوزع المسؤوليات، وتُحسم فرص المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
ومن دون قواعد واضحة وشفافة، قد تتحول التزكيات إلى مجال لتغليب النفوذ التنظيمي أو الشخصي، على حساب المناضلين الذين راكموا تجربة ميدانية أو يمتلكون كفاءات تؤهلهم لخدمة الشأن العام.
ولذلك، فإن المطلوب ليس منع أبناء السياسيين من الترشح، ولا تحويل الانتماء العائلي إلى تهمة في حد ذاته، بل ضمان أن يخضع الجميع للقواعد نفسها، وأن تكون المنافسة مفتوحة وعادلة، وأن تُعلَن معايير الاختيار وتُتاح إمكانية المساءلة داخل التنظيمات الحزبية.
كما أن نشر معايير التزكية، وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار، وتقييم المرشحين بناءً على الكفاءة والنزاهة والارتباط بقضايا السكان، خطوات من شأنها تعزيز الثقة في الأحزاب وتقليص الشكوك المرتبطة بتدبير فرص التمثيل السياسي.
الدار البيضاء.. التنمية لا تحتاج إلى أسماء فقط
تكتسي هذه الأسئلة أهمية خاصة في الدار البيضاء، بالنظر إلى حجم التحديات التي تواجه المدينة، من النقل والسكن والتفاوتات المجالية إلى جودة الخدمات العمومية وتدبير الفضاءات العامة، وهي ملفات تتطلب منتخبين يمتلكون القدرة على اقتراح الحلول ومراقبة التنفيذ ومحاسبة المسؤولين، لا مجرد حضور انتخابي يستمد قوته من الشهرة أو الامتداد العائلي.
فالمواطن لا يختار ممثله من أجل الحفاظ على موقع عائلة أو تجديد نفوذ شبكة سياسية، بل ينتظر منه الدفاع عن مصالحه، وتقديم حصيلة قابلة للتقييم، والتفاعل مع حاجيات الأحياء والمقاطعات والجماعات التي يمثلها.
وإذا كانت هناك اتهامات بتكرار الأسماء العائلية أو تهميش كفاءات مستقلة في بعض الدوائر، فإن معالجتها تقتضي كشف الوقائع وتحديد الحالات والمعايير المعتمدة، مع إتاحة حق الرد للأحزاب والأشخاص المعنيين. أما الاكتفاء بالتعميم، فقد يحول قضية مشروعة تتعلق بتكافؤ الفرص إلى أحكام لا تسندها أدلة كافية.
الرهان هو كسر الاحتكار لا محاكمة العائلات
إن تجديد الحياة السياسية بالدار البيضاء لن يتحقق بمجرد تغيير الأسماء أو الدفع بوجوه أصغر سناً، بل بإرساء قواعد تجعل الوصول إلى المسؤولية نتيجة للتنافس العادل، وتضمن استقلالية المنتخبين، وتربط التمثيل السياسي بالمساءلة والإنجاز.
فحين تكون الأبواب مفتوحة أمام الكفاءات، وتُحترم الديمقراطية الداخلية، وتُختار التزكيات وفق معايير معلنة، يصبح الانتماء العائلي مجرد معطى شخصي لا امتيازاً سياسياً. أما حين تغيب الشفافية وتتراجع المنافسة، فإن الشكوك بشأن احتكار المواقع تجد طريقها إلى الرأي العام، وتتضرر الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وفي النهاية، لا تحتاج الدار البيضاء إلى حرب على العائلات، بل إلى ضمان ألا تتحول العائلات النافذة، أو غيرها من شبكات المصالح، إلى بوابة شبه حصرية للعبور نحو المسؤولية، فالمعيار الحقيقي ليس من يكون والد المرشح أو عائلته، بل ماذا يقدم، وكيف يمارس صلاحياته، ولمن يخضع قراره: لمصلحة المواطنين أم لحسابات ضيقة؟
ذلك هو الاختبار الفعلي للديمقراطية الحزبية، وهو أيضاً المدخل الضروري لاستعادة الثقة في العمل السياسي، حتى لا تتحول الانتخابات إلى سباق أسماء، بينما تبقى الكفاءات والبرامج وانتظارات السكان في الصفوف الخلفية.
تعليقات الزوار