هبة زووم – تارودانت
تختزن تارودانت مؤهلات فلاحية واقتصادية مهمة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بحجم الإنتاج أو مردودية المحاصيل، بل بمن يستفيد فعلياً من الثروة الفلاحية، ومن يتحكم في مسارات تسويقها وتوزيع عائداتها، وما إذا كان صغار الفلاحين يحظون بالفرص نفسها التي يتمتع بها كبار المنتجين والفاعلون الاقتصاديون النافذون.
ففي الوقت الذي يُفترض أن تشكل الفلاحة رافعة للتنمية المحلية وتحسين دخل الساكنة وخلق فرص الشغل، يظل تثمين المنتوجات الفلاحية وتطوير قنوات تسويقها ورشاً أساسياً يطرح أسئلة حول العدالة الاقتصادية، ومدى قدرة المنتجين الصغار على منافسة الفاعلين الذين يتوفرون على إمكانات مالية ولوجستية أكبر.
ولا تكمن الإشكالية في وجود مستثمرين كبار أو وحدات إنتاجية قوية، فهؤلاء يشكلون جزءاً من النسيج الاقتصادي، وإنما في مدى احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص، وفي قدرة مختلف الفئات المنتجة على الولوج إلى الأسواق والاستفادة من البنيات التحتية وبرامج الدعم والتأطير.
فالفلاح الذي يتحمل أعباء الإنتاج وتكاليف اليد العاملة والسقي والأسمدة والنقل قد يجد نفسه، في نهاية الموسم، أمام معادلة غير متوازنة، خصوصاً عندما يفتقر إلى وسائل التخزين والتلفيف والتحويل، أو يضطر إلى تسويق محصوله في ظروف لا تمنحه هامشاً كافياً للتفاوض بشأن السعر.
وفي المقابل، تتيح الإمكانات المالية والقدرات التنظيمية واللوجستية للفاعلين الأكبر فرصاً أوسع للتحكم في مراحل متعددة من سلسلة الإنتاج والتسويق، وهنا تبرز ضرورة التمييز بين المنافسة الاقتصادية المشروعة وبين أي ممارسات احتكارية محتملة، وهي ممارسات لا يمكن الجزم بوجودها دون معطيات موثوقة وأبحاث ومؤشرات قابلة للتحقق.
في هذا السياق، يبرز دور السلطة الإقليمية في ضمان التوازن بين مختلف الفاعلين، وتيسير الاستثمار المنتج، ومواكبة التعاونيات وصغار الفلاحين، والعمل على توفير شروط عادلة للاستفادة من برامج التنمية والبنيات المخصصة للقطاع.
أما الحديث عن وجود دعم من العامل مبروك تابت لنفوذ فئة معينة من المنتجين، فيظل اتهاماً يستوجب أدلة واضحة ومعطيات دقيقة، ولا يكفي تداوله لإثباته، لكن ذلك لا يمنع من طرح أسئلة مشروعة حول طبيعة العلاقة بين السلطة والفاعلين الاقتصاديين، ومعايير تحديد المستفيدين من المبادرات والمشاريع، ومدى ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص.
فالمسؤولية الإدارية لا تُقاس بعدد الاجتماعات والزيارات أو البلاغات المرتبطة بالقطاع الفلاحي، بل بمدى انعكاس التدخلات العمومية على أوضاع المنتجين، وبقدرة السياسات المحلية على الحد من الهشاشة الاقتصادية، وتوسيع دائرة المستفيدين من الثروة التي ينتجها الإقليم.
إن تثمين المنتوجات المحلية لا ينبغي أن يبقى شعاراً موسمياً، ولا أن يقتصر على تشجيع الإنتاج دون الاهتمام بمصير المحاصيل بعد جنيها، فالتعاونيات الفلاحية تحتاج إلى مواكبة تقنية وتدبيرية حقيقية، وإلى منافذ للتسويق، وإمكانات للتخزين والتلفيف والتحويل، فضلاً عن الولوج إلى التمويل والمعلومات المتعلقة بالأسعار والأسواق.
كما أن تطوير وحدات التحويل والتصبير والتلفيف يمكن أن يخلق فرصاً إضافية للشغل، خصوصاً لفائدة الشباب والنساء، ويساعد على إبقاء جزء أكبر من القيمة المضافة داخل الإقليم بدل الاكتفاء بتسويق المنتوجات في صورتها الأولية.
لكن تحقيق هذه الأهداف يقتضي وضوحاً في المعايير، وإعلاناً عن المشاريع والبرامج المستفيدة، وتقييماً لنتائجها، حتى لا تتحول المبادرات التنموية إلى فرص يستفيد منها الفاعلون الأكثر قدرة على الوصول إلى مراكز القرار، بينما يظل صغار المنتجين في مواجهة تقلبات السوق وارتفاع تكاليف الإنتاج.
إن الرهان الحقيقي أمام إقليم تارودانت لا يقتصر على رفع حجم الإنتاج الفلاحي، بل يمتد إلى ضمان توزيع أكثر إنصافاً لفرص الاستثمار والتسويق، وتعزيز الشفافية في تدبير البرامج العمومية، وتوفير آليات فعالة لحماية المنافسة ومواكبة الفئات الأقل قدرة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى معطيات واضحة بشأن المشاريع الموجهة لتثمين المنتوج المحلي، ومعايير الاستفادة من الدعم والتجهيزات والبنيات اللوجستية، ومدى استفادة التعاونيات وصغار الفلاحين منها، فضلاً عن تقييم أثرها الفعلي على التشغيل والدخل.
كما يبقى من الضروري إتاحة المجال أمام الجهات المعنية لتوضيح سياساتها وتقديم معطياتها، وتمكين الفاعلين المتضررين، إن وجدوا، من عرض وثائقهم وشكاياتهم.
فإذا كانت الفلاحة تشكل إحدى ركائز اقتصاد تارودانت، فإن حماية مستقبلها تقتضي ألا تتحول الثروة المنتجة إلى امتياز محدود، بل إلى فرصة تنموية يستفيد منها مختلف الفاعلين، أما الحديث عن نفوذ اللوبيات أو توظيف السلطة لخدمة مصالح ضيقة، فلا ينبغي أن يبقى مجرد عنوان مثير؛ بل يجب أن يتحول، عند وجود قرائن موثوقة، إلى ملف واضح المعالم، قائم على الوثائق والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
تعليقات الزوار