هبة زووم – تنغير
في إقليم يُفترض أن تكون فيه المدرسة بوابة للإنصاف الاجتماعي وكسر العزلة، يجد أطفال أنفسهم مضطرين إلى الخروج في مسيرة احتجاجية للمطالبة بأبسط حقوقهم: مؤسسة تعليمية قريبة، وأطر تربوية تضمن لهم متابعة دراستهم في ظروف تحفظ كرامتهم.
مشهد يعيد طرح أسئلة محرجة حول واقع العدالة المجالية بإقليم تنغير، ويضع العامل إسماعيل هيكل أمام مسؤولية سياسية وإدارية وأخلاقية في حدود اختصاصاته، باعتباره ممثلاً للسلطة المركزية على المستوى الإقليمي، ومنسقاً لعدد من التدخلات الترابية.
يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، خرج تلاميذ وتلميذات دوار تاركا زكاغن، التابع لجماعة إغيل نومكون، في مسيرة احتجاجية سلمية نحو عمالة إقليم تنغير، بمشاركة نحو 100 شخص، للمطالبة بإحداث مدرسة بالمنطقة وتوفير الأطر التربوية اللازمة، ووضع حد لمعاناة التنقل اليومي التي تثقل كاهل الأطفال وأسرهم.
والأكثر إثارة للقلق أن عدداً من هؤلاء التلاميذ يضطرون إلى قطع مسافات تتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات مشياً على الأقدام للوصول إلى المدرسة. إنها رحلة يومية لا تختبر قدرة الأطفال على التحصيل الدراسي فحسب، بل تضعهم أيضاً أمام مشقة التنقل ومخاوف السلامة، وتحول الطريق إلى القسم إلى عبء إضافي يسبق حتى الجلوس إلى مقاعد الدراسة.
ليس طبيعياً أن يتحول الاحتجاج إلى وسيلة لإيصال مطلب يفترض أن تتكفل المؤسسات المعنية بدراسته والاستجابة له وفق الحاجيات والإمكانات المتاحة. وليس مقبولاً أن يصبح الأطفال، وهم الفئة التي يفترض أن تحظى بأولوية السياسات العمومية، في موقع المطالِب بحق أساسي يفترض أن يكون مضموناً دون معاناة يومية.
إن ما وقع بتاركا زكاغن يضع شعارات تكافؤ الفرص والعدالة المجالية أمام اختبار حقيقي. فالتنمية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة ولا بجولات المسؤولين ولا بالبلاغات الرسمية، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين، وخصوصاً الأطفال الذين لا يملكون ترف الانتظار أو القدرة على تدبير المسافات والإكراهات بمفردهم.
في قلب هذه الأسئلة، يبرز دور العامل إسماعيل هيكل، ليس باعتباره المسؤول الوحيد عن تدبير قطاع التعليم، الذي يدخل ضمن اختصاصات مؤسسات ومصالح متعددة، ولكن باعتباره ممثلاً للسلطة المركزية بالإقليم، ومسؤولاً ترابياً يُنتظر منه المساهمة في تنسيق التدخلات، وتتبع الملفات الاجتماعية المستعجلة، والدفع نحو حلول عملية كلما كشفت الوقائع عن اختلالات تمس الحقوق الأساسية للساكنة.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار معاناة التلاميذ، ووصول الأمر إلى تنظيم مسيرة احتجاجية باتجاه مقر العمالة، يفرضان مساءلة واضحة بشأن ما قامت به السلطات الإقليمية من تدخلات، وما إذا كانت مطالب الساكنة قد عُرضت سابقاً على الجهات المختصة، وما الإجراءات التي جرى اتخاذها لتفادي تفاقم الوضع.
المطلوب من العامل ليس تقديم تبريرات عامة أو الاكتفاء بإحالة الملف على قطاع آخر، بل الدفع نحو تنسيق فعلي بين المديرية الإقليمية للتربية الوطنية والجماعة الترابية والسلطات المعنية، لتحديد الحاجيات الحقيقية للمنطقة، ودراسة إمكانية إحداث مؤسسة تعليمية، وضمان توفير الأطر التربوية، مع البحث عن حلول مرحلية لتخفيف معاناة التلاميذ إلى حين معالجة أصل المشكلة.
أما إذا كانت هناك عراقيل إدارية أو مالية أو تقنية تحول دون الاستجابة الفورية، فإن واجب الشفافية يقتضي توضيح طبيعتها، وتحديد الجهة المسؤولة عنها، والإعلان عن الآجال الممكنة لمعالجتها. فترك الأسر أمام الغموض لا يحل المشكلة، وتأجيل الأجوبة لا يُنهي رحلة الأطفال اليومية نحو المدرسة.
إن معاناة تلاميذ تاركا زكاغن ليست مجرد تفصيل محلي يمكن تجاوزه بوعود عابرة، بل قضية تمس جوهر الحق في التعليم ومبدأ تكافؤ الفرص. فالطفل الذي يقطع كيلومترات مشياً للوصول إلى الفصل لا ينبغي أن يُطلب منه وحده تحمل كلفة العزلة الجغرافية، بينما يفترض أن تعمل المؤسسات على تقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي.
وتزداد أهمية الملف بالنظر إلى طبيعة المجال الجبلي، حيث تفرض التضاريس والمسافات تحديات إضافية تستدعي حلولاً تراعي خصوصية المنطقة، سواء عبر إحداث مؤسسة تعليمية قريبة، أو توفير النقل المدرسي الملائم، أو اتخاذ تدابير انتقالية تضمن استمرار الدراسة في ظروف آمنة ومنصفة.
إن المسؤولية هنا جماعية من حيث الاختصاصات، لكنها لا تعني إعفاء أي جهة من واجبها في التدخل والتوضيح. ولذلك، فإن العامل إسماعيل هيكل مطالب بتقديم أجوبة بشأن ما ستقوم به السلطات الإقليمية لتنسيق جهود المتدخلين، فيما تظل المصالح التعليمية مطالبة بتوضيح موقفها من مطلب إحداث المدرسة وتوفير الأطر التربوية.
وفي انتظار هذه الأجوبة، يبقى السؤال الذي يختصر جوهر القضية: كيف يمكن الحديث عن عدالة مجالية حقيقية، فيما يضطر أطفال إلى الاحتجاج من أجل مدرسة تضع حداً لمعاناتهم اليومية؟
إن كرامة التلميذ لا ينبغي أن تكون موضوعاً للتأجيل، وحقه في التعليم لا يجوز أن يتحول إلى ملف ينتظر حتى ترتفع الأصوات في الشارع. فالمسؤولية لا تُقاس بقدرة المؤسسات على احتواء الاحتجاج بعد وقوعه، بل بقدرتها على استباق أسباب الغضب ومعالجة الاختلالات قبل أن يدفع الأطفال ثمنها من وقتهم وسلامتهم ومستقبلهم.
تعليقات الزوار