بنعبد الله من منصة الانتقاد إلى كرسي الوزارة.. هل تتحول تصريحات الأمس إلى قرارات أم كانت للاستهلاك السياسي؟
هبة زووم – علال الصحراوي
لم يعد بإمكان نبيل بنعبد الله، بعد تعيينه وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، الاكتفاء بموقع المنتقد الذي يرفع الأسئلة بشأن اختلالات المدرسة العمومية وتجربة “مدارس الريادة”، فالرجل الذي سبق أن حذر من مخاطر حصر الإصلاح في مؤسسات محددة، ودعا إلى توجيه الاستثمارات نحو المدرسة العمومية برمتها، أصبح اليوم في موقع يفرض عليه الإجابة العملية عن الأسئلة التي طرحها بنفسه.
هنا يبدأ امتحان المصداقية: هل تتحول تصريحات الأمس إلى برنامج عمل وقرارات قابلة للقياس، أم أن الانتقادات التي وُجهت إلى تدبير القطاع في المرحلة السابقة ستظل مجرد خطاب سياسي يفقد بريقه بمجرد الجلوس إلى كرسي المسؤولية؟
خلال تصريحاته السابقة، أثار بنعبد الله مخاوف من أن تؤدي تجربة مدارس الريادة إلى اتساع الفوارق بين المؤسسات المستفيدة منها وباقي المدارس، رغم ما أقر به من جوانب إيجابية في التجربة.
كما شدد على ضرورة إعطاء الأولوية للتعليم الأولي، وتعزيز الدعم الاجتماعي للأسر محدودة الدخل، وتحسين ظروف عمل المدرسين وتكوينهم البيداغوجي والديداكتيكي.
كانت تلك مواقف تضع الحكومة السابقة أمام أسئلة محرجة بشأن الإنصاف في توزيع الموارد ونجاعة الإصلاح، لكنها اليوم ترتد إلى صاحبها، بعدما انتقل من موقع مساءلة المسؤولين إلى موقع المسؤول الأول عن تنزيل السياسة التعليمية، بما يفرض الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، ومن تسجيل الملاحظات إلى تحمل تبعات القرار.
مدارس الريادة.. هل يملك الوزير شجاعة مراجعة ما انتقده؟
أولى محطات الاختبار تتعلق بمصير مدارس الريادة، فإذا كان بنعبد الله يرى أن التركيز على مؤسسات محددة قد يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، فإن مسؤوليته اليوم تقتضي توضيح ما إذا كان سيواصل التجربة، أم سيعيد تقييمها، أم سيعمل على توسيع نطاقها وفق معايير جديدة تضمن استفادة أكبر عدد ممكن من التلاميذ.
ولن يكون كافياً إعلان مراجعة البرنامج أو تغيير اسمه أو إعادة تقديمه بخطاب جديد؛ المطلوب هو تقييم موضوعي لنتائجه، والكشف عن كلفته، وتحديد مكامن القوة والقصور، ثم اتخاذ قرارات تستند إلى المعطيات لا إلى الحسابات السياسية.
فإذا أثبتت التجربة نتائج إيجابية، فإن المسؤولية تقتضي البناء عليها وتعميم ممارساتها الناجعة. وإذا كشفت عن اختلالات، فإن الواجب يفرض معالجتها بشفافية، دون حماية سياسية أو إصرار على خيارات لمجرد ارتباطها بالحكومة السابقة.
وهنا يكمن الفارق بين الإصلاح باعتباره التزاماً وطنياً، والإصلاح باعتباره مادة للتجاذب السياسي: الأول يقيس نجاحه بما يتحقق داخل الفصول الدراسية، والثاني قد يكتفي بتسجيل النقاط على الخصوم.
هل كانت الانتقادات تشخيصاً أم مزايدة على الوزير السابق؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس اتهام بنعبد الله مسبقاً بالمزايدة، وإنما مطالبته بإثبات أن تصريحاته السابقة كانت تعبيراً عن تصور إصلاحي قابل للتنفيذ، وليست مجرد مواقف للاستهلاك السياسي، والفيصل بين الاحتمالين لن يكون في البلاغات أو الخطب، بل في القرارات التي ستصدر عن الوزارة، والميزانية التي ستُرصد، والنتائج التي سيجري الإعلان عنها.
فإذا كان الوزير الجديد قد اعتبر أن المدرسة العمومية تحتاج إلى استثمارات أكثر إنصافاً، فعليه أن يوضح كيف ستوزع الموارد بين المؤسسات، وكيف سيعالج الخصاص في الأطر والتجهيزات، وما التدابير التي ستضمن ألا تتحول الفوارق المجالية والاجتماعية إلى فوارق دائمة في جودة التعلمات.
وإذا كان قد وضع التعليم الأولي والدعم الاجتماعي في صلب الإصلاح، فإن الرأي العام ينتظر إجراءات ملموسة، لا إعادة تدوير الشعارات نفسها التي تتكرر مع كل تغيير حكومي، أما إذا كان تحسين ظروف المدرسين جزءاً من تصوره، فالمطلوب برنامج واضح للتكوين المستمر، ومعالجة الإكراهات المهنية، وربط التكوين بحاجيات المدرسة الفعلية.
من ينتقد من الخارج مطالب بأن يجيب من الداخل
تتغير طبيعة المسؤولية عندما يصبح المنتقد جزءاً من السلطة التنفيذية. ففي موقع المعارضة، يمكن للسياسي أن يطرح الأسئلة ويكشف التناقضات ويطالب بالبدائل؛ أما في موقع الوزارة، فهو مطالب بتحديد الأولويات، وتدبير الموارد، ومواجهة الإكراهات، وتقديم حصيلة قابلة للمحاسبة.
ولا يعني ذلك أن كل نقد سابق يجب أن يتحول آلياً إلى قرار، أو أن الوزير ملزم بتنفيذ كل ما قاله دون مراعاة المعطيات الجديدة. لكن أي تراجع عن مواقف معلنة ينبغي أن يكون مبرراً بحجج واضحة، وأي تغيير في التوجه يستدعي تفسيراً مقنعاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق ملايين التلاميذ ومصير المدرسة العمومية.
كما أن نجاح الإصلاح لا يتوقف على الوزير وحده، بل يرتبط بالميزانية والموارد البشرية والتنسيق الحكومي وأدوار الأكاديميات والمديريات والمؤسسات التعليمية، غير أن هذه الإكراهات لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة مسبقة لتبرير التعثر، بل إلى عناصر يجب عرضها بشفافية ضمن خطة عمل واضحة.
الامتحان الحقيقي يبدأ من الآن
أمام بنعبد الله فرصة لتحويل انتقاداته السابقة إلى التزام عملي، من خلال نشر أولويات الوزارة، وتحديد آجال تنفيذها، وإرساء مؤشرات لقياس النتائج، وإخضاع البرامج للتقييم، وإطلاع الرأي العام على ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
أما الاكتفاء بتكرار الحديث عن الإنصاف والجودة والدعم الاجتماعي، دون قرارات واضحة وآليات للتنفيذ والتقييم، فسيجعل المسافة بين الخطاب والممارسة موضع مساءلة، وسيعيد طرح السؤال نفسه الذي يلاحق عدداً من الوعود الحكومية: لماذا يسهل على السياسي تشخيص اختلالات القطاع قبل توليه، ثم يصبح تنفيذ الحلول أكثر تعقيداً بعد وصوله إلى المسؤولية؟
في النهاية، لا تحتاج المدرسة العمومية إلى وزير جديد يعيد اكتشاف مشكلاتها، بل إلى مسؤول يترجم تشخيصه إلى اختيارات واضحة ونتائج ملموسة. وسيكون الحكم على نبيل بنعبد الله رهيناً بما سيقرره ويفعله، لا بما قاله في الماضي وحده.
فهل تكون تصريحات الأمس أساساً لإصلاح حقيقي، أم ستتحول إلى أرشيف من المواقف التي فقدت قوتها بمجرد انتقال صاحبها من موقع الانتقاد إلى موقع القرار؟ الإجابة لن تحسمها التصريحات الجديدة، بل ما ستكشف عنه المدرسة العمومية من تغيير فعلي في جودة التعلمات، وعدالة توزيع الموارد، وظروف التمدرس.