برشيد: حين تتحول اللامبالاة الرسمية إلى شريك صامت في الجريمة؟

هبة زووم – برشيد
لم تكن الجريمة التي هزّت مدينة برشيد، يوم أمس الخميس، حادثاً عرضياً أو قدراً مفاجئاً نزل من السماء، بل كانت نتيجة منطقية لمسار طويل من التراخي، والتغاضي، وغياب القرار، في التعامل مع ملف المختلين عقلياً الذين تُركوا لسنوات يجوبون الشوارع والأحياء والأسواق، دون حراسة طبية، ولا مواكبة اجتماعية، ولا أي إحساس بخطورة ما قد ينجم عن هذا الإهمال المزمن.
أن يُقتل مواطن في الشارع العام على يد شخص مختل عقلياً، فهذه مأساة إنسانية بكل المقاييس، لكن المأساة الأكبر، والأخطر، أن تقع الجريمة بعد سلسلة من التحذيرات غير المعلنة، وبعد مشاهد يومية يعيشها سكان المدينة، وهم يرون أشخاصاً في وضعية اختلال عقلي في حالة هيجان دائم، يصرخون، يهددون، ويعتدون أحياناً، دون أن تتحرك السلطات إلا عندما يسقط قتيل.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: من المسؤول عن ترك مختلين عقلياً في الفضاء العام دون علاج أو إيواء؟ وهل كانت هذه الجريمة ستقع لو قامت السلطات بواجبها القانوني والإنساني، عبر إيداع هؤلاء الأشخاص في المستشفيات المختصة، بدل رميهم في الشارع وكأنهم عبء يجب التخلص منه؟
السلطات المحلية، بمختلف تلاوينها، تعلم جيداً أن وجود أشخاص يعانون من اضطرابات عقلية حادة في الشارع العام يشكل خطراً مزدوجاً:
خطراً عليهم هم أولاً، لأنهم ضحايا إهمال طبي واجتماعي، وخطراً على المواطنين، لأنهم قد يتحولون في أي لحظة، وتحت تأثير نوبات الهيجان، إلى أدوات عنف غير متحكم فيها.
ومع ذلك، اختارت هذه السلطات أسهل الحلول: اللاشيء.. لا حملات منظمة، لا تنسيق فعلي مع قطاع الصحة، لا تفعيل للمقتضيات القانونية التي تخول إيداع المختلين في مؤسسات العلاج، ولا حتى اعتراف علني بحجم المشكلة. وكأن المدينة تُدار بمنطق “دَعِ الأمور تمرّ”، إلى أن تمرّ فوق جثة.
الأكثر استفزازاً في هذا المشهد، أن الجريمة وقعت، وسال الدم، وتحولت الواقعة إلى خبر عابر، بينما بقي المختلون عقلياً في أماكنهم، ينامون في الأزقة نفسها، ويجوبون الشوارع نفسها، ويتحركون بالخطورة نفسها، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن روح الضحية لم تكن كافية لخلخلة هذا الصمت الرسمي المريب.
إن تحميل المسؤولية للجاني وحده، مع العلم المسبق باختلاله العقلي، ليس سوى هروب من الحقيقة، فالمسؤولية الحقيقية تقع على من تركه دون علاج، وعلى من سمح له بالبقاء في الشارع، وعلى من تجاهل كل مؤشرات الخطر، وعلى من لم يتحرك إلا بعد أن تحولت الفوضى إلى جريمة.
ما وقع في برشيد ليس فشلاً أمنياً فقط، بل هو فشل إداري، وصحي، واجتماعي، وأخلاقي، فالدولة التي لا تحمي مواطنيها من الخطر المعروف، ولا تحمي المرضى من التشرد، هي دولة تُراكم أسباب الانفجار بدل معالجتها.
اليوم، لم تعد بيانات التعزية ولا بلاغات الاستنكار كافية. المطلوب هو قرار واضح، وتحرك فوري، وتحمّل صريح للمسؤولية، قبل أن تتكرر المأساة، ويسقط ضحايا آخرون، وتظل سلطات برشيد، مرة أخرى، تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها، لأن الصمت في مثل هذه القضايا، ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد