اليحياوي في ذكرى 7 أكتوبر: بعد ثلاث سنوات هل أصبح الدمار أكبر من أن يُختزل في يوم واحد؟

هبة زووم – الرباط
في الذكرى الثالثة لهجمات السابع من أكتوبر 2023، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى واحدة من أكثر صفحات المنطقة دموية، محاولاً قراءة المشهد من زاوية مختلفة: ليس من تاريخ انطلاق “طوفان الأقصى” فقط، وإنما من حجم المأساة التي تلت ذلك اليوم وما خلفته الحرب من قتلى وجرحى ودمار واسع في قطاع غزة.
اليحياوي يرى أن السابع من أكتوبر لن يبقى، في الذاكرة، مجرد تاريخ لهجوم نفذته حركة حماس داخل إسرائيل، بل إن ما سيبقى، وفق قراءته، هو المسار الدموي الذي تلاه، وما ترتب عنه من حرب طويلة ومدمرة أودت بحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين.
وتشير أحدث حصيلة منشورة من وزارة الصحة في غزة إلى 74,250 قتيلاً و175,278 جريحاً حتى 7 أكتوبر 2026، فيما تتواصل عمليات انتشال الجثامين من تحت الأنقاض، ما يجعل الأرقام قابلة للارتفاع.
وفي تدوينته، يربط اليحياوي بين أحداث السابع من أكتوبر والسياق الذي سبقها، مستحضراً الحصار الطويل على القطاع وتدهور الأوضاع الإنسانية، قبل أن ينتقل إلى السؤال الأكثر إيلاماً: هل يمكن أن يكون الرد على مقتل إسرائيليين وأسر آخرين مبرراً لتدمير مجتمع بأكمله وتحويل قطاع غزة إلى مساحة هائلة من الركام؟
هذا السؤال لا يلغي، بطبيعة الحال، خطورة هجمات 7 أكتوبر وما رافقها من قتل وأخذ رهائن، وهي وقائع وثقتها جهات دولية وإعلامية على نطاق واسع، لكنه يفتح النقاش حول مبدأ التناسب، وحماية المدنيين، والقانون الدولي الإنساني، والمسؤولية عن حجم الدمار الذي أصاب غزة.
فبعد ثلاث سنوات، لم تعد الكارثة الفلسطينية مقتصرة على أعداد الضحايا، تقارير حديثة تشير إلى أن أكثر من 82% من مباني القطاع تعرضت للضرر أو الدمار، فيما يعيش نحو 2.1 مليون فلسطيني في ظروف نزوح قاسية، وتحولت مساحات واسعة من المدن والأحياء إلى أنقاض.
ومن هنا تبدو عبارة اليحياوي عن أن “القطاع سوي بالأرض” تعبيراً سياسياً حاداً، لكنه يستند إلى واقع دمار واسع وثقته صور الأقمار الصناعية وتقارير المنظمات الدولية ووسائل الإعلام.
غير أن الباحث لا يضع المسؤولية على إسرائيل وحدها، بل يفتح أيضاً ملف الدور الأميركي، معتبراً أن واشنطن قدمت دعماً سياسياً وعسكرياً لإسرائيل، وساهمت في توفير الغطاء الدولي لها.
وفي هذا السياق، تظل العلاقة الأميركية بالحرب موضع نقاش دولي حاد، خصوصاً أن الولايات المتحدة نفسها تدخلت في المسار الدبلوماسي المرتبط بالنزاع، بينما لا تزال قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية قيد الإجراءات. ولم يصدر عن المحكمة، حتى الآن، حكم نهائي في أصل الاتهام.
أما إسرائيل، فترفض توصيف عملياتها بأنها إبادة جماعية، وتقول إنها تستهدف حركة حماس وقدمت تحذيرات للمدنيين، بينما تواجه في المقابل اتهامات دولية خطيرة بشأن سلوك قواتها وحجم الخسائر المدنية والدمار في القطاع.
وهنا ينبغي التمييز بين الموقف السياسي وبين الحسم القضائي: وصف ما جرى بأنه “إبادة جماعية” أصبح حاضراً بقوة في الخطاب الحقوقي والسياسي والإعلامي، لكن المسؤولية القانونية النهائية عن جريمة الإبادة لا تزال موضوعاً أمام محكمة العدل الدولية.
الجزء الأكثر قسوة في تدوينة اليحياوي يوجهه إلى الحكومات العربية، التي يتهمها بالتعامل مع الحرب بمنسوب من الإدانة لا يوازي حجم الكارثة الإنسانية، وبالتعامل مع المقاومة باعتبارها مسؤولة عن «مغامرتها» في السابع من أكتوبر.
وهذه قراءة سياسية لليحياوي، تعكس موقفاً شديد الانتقاد للسياسات العربية تجاه الحرب، ولا يمكن تعميمها على جميع الدول والحكومات العربية التي اختلفت مواقفها وأدواتها بين الوساطة، والمساعدات الإنسانية، والضغط الدبلوماسي، والمواقف السياسية.
لكن السؤال الذي تطرحه التدوينة يبقى قائماً: ما الذي استطاعت الدول العربية فعله عملياً لوقف الحرب وحماية المدنيين وفتح طريق حقيقي لإعادة إعمار غزة؟
فطيلة السنوات الثلاث الماضية، تحولت القضية الفلسطينية إلى اختبار صعب للنظام الدولي، وللدول الكبرى، وللدول العربية أيضاً. وبينما استمرت العمليات العسكرية والدمار، ظل المدنيون يدفعون الكلفة الأكبر.
بعد ثلاث سنوات، يبدو من الصعب اختزال المشهد في رواية واحدة، هناك هجمات 7 أكتوبر وقتلى إسرائيليون ورهائن، وهناك، في المقابل، عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قتلوا أو أصيبوا، وقطاع مدمر، ونحو مليوني شخص عاشوا تجربة النزوح، وبنية صحية وتعليمية واقتصادية تعرضت لانهيار واسع، وبين الروايتين تقف مأساة إنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أرقام في سجال سياسي.
اليحياوي يختار لغة شديدة الحدة وهو يتحدث عن “الإبادة” وعن مسؤولية إسرائيل والولايات المتحدة والحكومات العربية، كما يرفض أن يُقرأ السابع من أكتوبر بمعزل عن السنوات التي سبقته أو عن السنوات الثلاث التي تلته.
لكن السؤال الأوسع الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يستطيع العالم أن يتعامل مع حجم هذه الكارثة بمنطق العدالة والمساءلة، أم ستظل غزة مجرد فصل آخر في سجل الحروب التي تُغلق سياسياً قبل أن تُغلق إنسانياً؟
فبعد 74 ألف قتيل وأكثر من 175 ألف جريح، وبعد مدن وأحياء ومستشفيات ومدارس ومنازل تحولت إلى أنقاض، لم يعد السؤال فقط من بدأ الحرب، وإنما أيضاً: من سيدفع ثمن ما حدث، ومن سيعيد بناء غزة، ومن سيضمن ألا تتكرر المأساة؟
وهنا تحديداً تكمن الرسالة الأثقل في تدوينة اليحياوي: أن ذاكرة 7 أكتوبر قد لا تختزل في ساعات الهجوم، بل في ثلاث سنوات كاملة من الحرب والدمار والنزوح والموت، وفي عجز المجتمع الدولي عن تحويل الإدانات إلى حماية فعلية للمدنيين وتسوية سياسية قابلة للحياة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد