هبة زووم – الرباط
أعاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري فتح النقاش حول فلسفة الدعم الاجتماعي بالمغرب، واضعاً تصريحات وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع بشأن رفض تسقيف أرباح شركات المحروقات أمام سؤال جوهري يتعلق بالعدالة الاجتماعية: لماذا تُفرض معايير دقيقة لمراقبة أوضاع الأسر الفقيرة والمحدودة الدخل، بينما لا تحظى الأرباح الكبيرة، التي تحققها بعض الشركات، بالمستوى نفسه من النقاش والمساءلة؟
وفي تدوينة نقدية، اعتبر الكنبوري أن تبرير رفض تسقيف أرباح شركات المحروقات بالتخوف من العودة إلى نظام صندوق المقاصة يعيد إلى الواجهة الإشكالات التي رافقت اختيارات الحكومات المتعاقبة في تدبير الدعم، خصوصاً ما يتعلق بتحديد المستفيدين الحقيقيين من الأموال العمومية، ومدى قدرة السياسات المعتمدة على حماية الفئات الهشة من تقلبات الأسعار.
ويرى الباحث أن الإشكال لا يكمن فقط في الاختيار بين الدعم المباشر وصندوق المقاصة، بل في طبيعة المعايير التي تضبط الاستفادة من الدعم، ومدى إنصافها للأسر التي تعيش تحت ضغط تكاليف المعيشة، فبينما يجري التشديد على ضرورة تحسين المؤشر المعتمد لتحديد المستحقين، يتساءل الكنبوري عن غياب نقاش موازٍ حول أرباح الشركات الكبرى، ولا سيما العاملة في قطاع المحروقات، الذي يظل تأثير أسعاره حاضراً بقوة في القدرة الشرائية للمواطنين.
المؤشر الاجتماعي.. حين يتحول الدعم إلى مصدر للقلق
ومن أبرز الانتقادات التي أثارها الكنبوري ما وصفه بالآثار النفسية والاجتماعية لنظام الاستهداف القائم على المؤشر، معتبراً أن التخوف من فقدان الدعم دفع بعض الأسر إلى تقييد قراراتها اليومية، بل والتردد في تحمل نفقات عادية خشية انعكاسها على وضعها داخل منظومة الاستفادة.
واستحضر في هذا السياق مثال شخص فضّل تقاسم تكلفة الاتصال بالإنترنت مع جاره بدل الاشتراك المستقل، خوفاً من تأثير المصروف على مؤشره الاجتماعي.
وبغض النظر عن مدى تمثيلية هذه الحالة، فإنها تطرح سؤالاً مهماً بشأن مدى وضوح معايير الاستفادة من الدعم، وقدرة المواطنين على فهمها والتنبؤ بتأثير التغييرات التي تطرأ على أوضاعهم المعيشية.
فالدعم الاجتماعي، وفق هذا المنظور، لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر دائم للقلق أو إلى عامل يدفع الأسر إلى تجميد اختياراتها الطبيعية، كما أن فعالية الاستهداف لا تُقاس فقط بقدرة الإدارة على فرز المستفيدين، بل أيضاً بمدى شفافية المعايير، وعدالتها، وسهولة التظلم من القرارات التي قد تحرم أسرة مستحقة من المساعدة.
غير أن هذه الانتقادات تستدعي كذلك التمييز بين المصاريف اليومية التي قد لا تعكس بالضرورة تحسناً حقيقياً في مستوى العيش، وبين المعايير الرسمية التي تعتمدها منظومة الدعم فعلياً، فالحكم على دقة المؤشر يقتضي الاطلاع على قواعد احتسابه وآليات تحيينه، لا الاكتفاء بالحالات الفردية، مهما كانت دلالتها الاجتماعية.
أرباح المحروقات.. السؤال الذي يحرج الحكومة
وفي مقابل التدقيق في الوضع الاقتصادي للأسر، يوجه الكنبوري انتقاده إلى ما يعتبره اختلالاً في ميزان الرقابة، متسائلاً عن سبب إخضاع المواطن البسيط لمعايير دقيقة، في الوقت الذي لا يحتل فيه تسقيف الأرباح أو ضبط هوامش الربح في قطاع المحروقات الموقع نفسه ضمن النقاش العمومي.
ويختزل هذا التساؤل جوهر الخلاف حول السياسة الاقتصادية والاجتماعية: هل تكتفي الدولة بتوجيه الدعم نحو الفئات التي تحددها المؤشرات، أم أن العدالة الاجتماعية تفرض أيضاً مراقبة المنافسة والأسعار، وتعزيز الشفافية في الأسواق، والتأكد من أن المستهلك لا يتحمل وحده كلفة الاختلالات الاقتصادية؟
ولا يعني ذلك أن تسقيف الأرباح يمثل بالضرورة الحل الوحيد أو الأكثر نجاعة؛ إذ يتطلب تقييم هذا الخيار دراسة أثره على المنافسة والاستثمار والأسعار، إلى جانب مقارنة البدائل الممكنة، من تقوية آليات المنافسة ومراقبة الممارسات المنافية لها، إلى تحسين استهداف الدعم وتعزيز حماية المستهلك.
لكن الكنبوري يرى أن حصر النقاش في كلفة العودة إلى صندوق المقاصة، من دون توسيع النقاش ليشمل توزيع الأعباء والمنافع بين الفئات الاجتماعية، يترك جانباً أساسياً من المشكلة.
فالمطلوب، في نظره، ليس فقط تحديد من يستحق الدعم، بل أيضاً مساءلة طبيعة الاختيارات التي تجعل الأسر تتحمل ضغط الأسعار، بينما تظل أرباح الشركات الكبرى موضوعاً مختلفاً في مقاربة الدولة للسوق.
بنكيران وصندوق المقاصة.. من يتحمل مسؤولية الاختيارات الاقتصادية؟
وفي قراءة سياسية لتصريحات لقجع، اعتبر الكنبوري أنها تعيد الاعتبار إلى جزء من النقاش الذي رافق قرارات حكومة عبد الإله بنكيران بشأن إصلاح نظام المقاصة، معتبراً أن التبريرات المتعلقة بمدى استفادة الأغنياء من المواد المدعمة كانت حاضرة في ذلك النقاش أيضاً.
وذهب الباحث أبعد من ذلك حين رأى أن تصريحات وزير الاقتصاد والمالية تنصف حزب العدالة والتنمية، وتعيد طرح مسألة حدود مسؤولية الحكومات في القرارات الاقتصادية الكبرى، في ظل استمرار توجهات معينة رغم تعاقب الفرقاء السياسيين على تدبير الشأن العام.
غير أن الربط بين تصريحات لقجع وتبرئة حكومة بنكيران يظل قراءة سياسية للباحث، وليس نتيجة محسومة بذاتها؛ فمسؤولية القرارات المرتبطة بالمقاصة تقتضي التمييز بين القرارات التي اتخذتها الحكومة، والاختيارات الاستراتيجية للدولة، والآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ترتبت عنها، مع إخضاع كل مرحلة لتقييم موضوعي.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي يطرحه الكنبوري يستحق نقاشاً أوسع: إلى أي حد تستطيع الحكومات تغيير التوجهات الاقتصادية الكبرى عندما تصطدم بمصالح الفاعلين الاقتصاديين الأقوياء؟ وهل تملك الإرادة والأدوات الكافية لإعادة توزيع كلفة الإصلاح بصورة أكثر إنصافاً؟
في المحصلة، لا تتوقف قضية الدعم الاجتماعي عند المفاضلة التقنية بين صندوق المقاصة والدعم المباشر، بل تمتد إلى اختبار أعمق لمدى التزام السياسات العمومية بالعدالة الاجتماعية.
فحين يصبح تحسين المؤشر أولوية في تحديد المستفيدين، ينبغي أن يقابله نقاش جدي بشأن الأسعار والمنافسة وهوامش الربح، حتى لا يتحول الفقير إلى الحلقة الأكثر خضوعاً للمراقبة، فيما تظل مصالح الفاعلين الاقتصاديين الكبار بعيدة عن المساءلة بالقدر نفسه.
وذلك هو جوهر السؤال الذي يضعه الكنبوري أمام الحكومة: إذا كانت الدولة تطالب المواطن بإثبات هشاشته حتى يستفيد من الدعم، فما الآليات التي تضمن أن يتحمل الأقوى اقتصادياً نصيبه العادل من كلفة التضامن الاجتماعي؟
تعليقات الزوار