هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى مساءلة طبيعة النظام الدولي وآليات اشتغال مجلس الأمن، معتبراً أن احتكار خمس دول كبرى لحق النقض «الفيتو» يجعل مصير العديد من القضايا الدولية رهيناً بحسابات القوى النافذة ومصالحها الاستراتيجية، وليس بالضرورة بمقتضيات العدالة أو حقوق الشعوب.
وفي تدوينة جديدة، ربط اليحياوي بين اختلال ميزان القوة داخل مجلس الأمن واستمرار نزاع الصحراء المغربية لأكثر من خمسة عقود، منتقداً ما يعتبره توظيفاً للمساطر القانونية والدبلوماسية في إطالة أمد الملفات، بدل الدفع نحو حلول نهائية تنهي النزاعات وتضع حداً لمعاناة الأطراف المعنية.
وتأتي مواقف الباحث في سياق التطورات الأخيرة التي شهدها ملف الصحراء، بعد عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، وفشل مجلس الأمن في اعتماد مشروعي القرار اللذين تقدمت بهما الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل المسار الأممي وحدود الرهان على المؤسسة الدولية.
يضع اليحياوي نظام حق النقض في صلب انتقاداته، متسائلاً عن الأساس الذي يمنح خمس دول، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين وفرنسا، سلطة تعطيل القرارات داخل مجلس الأمن، حتى عندما تتعلق بقضايا ذات أبعاد إنسانية وحقوقية خطيرة.
ويرى الباحث أن هذه الصلاحية تجعل فرص الدول المتضررة في الحصول على قرارات منصفة مرتبطة، في كثير من الأحيان، بمدى تقاطع مطالبها مع مصالح إحدى القوى الخمس الدائمة العضوية، معتبراً أن الحسابات الجيوسياسية قد تتقدم على الاعتبارات القانونية والإنسانية.
ويعيد هذا الموقف طرح إشكالية ديمقراطية النظام الأممي، وحدود التمثيلية والعدالة في مؤسسة يفترض أن تضطلع بمسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين، بينما تظل القرارات الأكثر حساسية خاضعة لتوازنات الدول الكبرى.
فحق النقض، الذي أُقر ضمن هندسة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، يمنح الأعضاء الدائمين امتيازاً لا تتوفر عليه بقية الدول، ويجعل التوافق بينها عاملاً حاسماً في عدد من الملفات، وبينما يدافع أنصار هذا النظام عن دوره في منع الصدام المباشر بين القوى الكبرى، يرى منتقدوه أنه قد يتحول إلى أداة لتعطيل القرارات وإضعاف قدرة المنظمة على التحرك.
وفي إسقاط مباشر على قضية الصحراء المغربية، يعتبر اليحياوي أن استمرار الملف داخل مجلس الأمن لعقود لم ينتج الحسم الذي كان ينتظره المغرب، وأن المفاوضات والقرارات المتعاقبة ظلت محكومة بتوازنات دولية وإقليمية معقدة.
وينتقد الباحث ما يصفه بالغموض الذي يطبع بعض الصيغ الأممية، حيث تصبح الكلمات والعبارات الواردة في القرارات موضوعاً لتأويلات متضاربة، بينما يظل جوهر النزاع دون تسوية نهائية. كما يتحدث عن أشكال من المساومات السياسية والقانونية التي تجعل مسار الملف، في نظره، أقرب إلى تدبير الأزمة منه إلى إنهائها.
ويذهب اليحياوي إلى أن عدم تجديد ولاية المينورسو، وما رافقه من تعثر داخل مجلس الأمن، يعزز الحاجة إلى مراجعة طريقة التعاطي مع المؤسسة الأممية، خصوصاً بعد أن أعلن المغرب، في بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر، أن هذا التطور ينبغي أن يشكل خطوة نحو إنهاء إحالة قضية الصحراء على مجلس الأمن وسحبها من جدول أعماله.
وبالنسبة إلى الباحث، فإن هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة بأن استمرار الاحتكام إلى الآليات نفسها لن يؤدي بالضرورة إلى نتائج مختلفة، وأن البحث عن مسارات بديلة أصبح مطروحاً في ضوء التحولات الأخيرة.
وتكتسب تدوينة اليحياوي أهمية إضافية لأنها تتزامن مع إعلان الأمم المتحدة، يوم فاتح نونبر، بدء مرحلة إنهاء عمليات بعثة المينورسو بعد عدم تجديد ولايتها. غير أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أكد استمرار التزام المنظمة بدعم الأطراف من أجل التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، يضمن حق شعب الصحراء في تقرير المصير.
وهنا تبرز مفارقة المرحلة الجديدة: فبينما يتجه الموقف المغربي، وفق بلاغ الديوان الملكي، إلى اعتبار عدم تجديد البعثة مدخلاً لإنهاء المسار الأممي بصيغته الحالية، تؤكد الأمم المتحدة أن انتهاء عمليات المينورسو لا يعني التخلي عن جهودها السياسية والدبلوماسية.
ويستدعي هذا التباين التمييز بين انتهاء مهمة حفظ السلام وبين إنهاء دور المنظمة في البحث عن تسوية سياسية؛ فالأول أصبح واقعاً مع بدء إجراءات تصفية البعثة، أما الثاني فيظل مرتبطاً بتطور المواقف والقرارات اللاحقة.
ومن أكثر النقاط التي توقف عندها اليحياوي تجديد الأمين العام للأمم المتحدة العبارة التقليدية المتعلقة بالعمل من أجل حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، معتبراً أن تكرار هذه الصيغة طوال أكثر من خمسين سنة لم يفضِ إلى إنهاء النزاع أو تحقيق تقدم حاسم.
ويصف الباحث هذه اللغة الدبلوماسية بأنها فضفاضة، لأنها تترك الباب مفتوحاً أمام تأويلات متعددة، دون أن تقدم، في نظره، ضمانات عملية لإنصاف الأطراف أو تسريع الحل.
لكن هذه الصيغة ليست مجرد عبارة إنشائية في الخطاب الأممي؛ فهي ترتبط بإطار سياسي وقانوني يهدف إلى إيجاد تسوية تفاوضية، كما أن القرارات الأممية السابقة تضمنت عناصر تتعلق بمقترح الحكم الذاتي المغربي وبمبدأ تقرير المصير، وهو ما يجعل تقييم المسار مرتبطاً بمضمون القرارات وتوازناتها، وليس فقط باللغة المستخدمة في بيانات المنظمة.
ويخلص اليحياوي إلى أن طلب المغرب إخراج ملف الصحراء من مداولات مجلس الأمن يعبر، بحسب قراءته، عن تراجع الثقة في قدرة المجلس على الاضطلاع بدور الوسيط المحايد، ويدعو إلى البحث عن سبل أخرى لمعالجة النزاع، حتى وإن تطلب الأمر اتخاذ قرارات صعبة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز مجرد انتقاد مجلس الأمن: ما طبيعة البدائل التي يمكن اعتمادها؟ وهل يتعلق الأمر بتعزيز المسار الدبلوماسي الثنائي والإقليمي، أم بإعادة صياغة العلاقة مع المؤسسات الأممية، أم بمزيج من الأدوات السياسية والقانونية؟
فالتحولات الأخيرة تضع الدبلوماسية المغربية أمام مرحلة دقيقة، تتطلب الحفاظ على المكتسبات التي راكمتها المملكة، وتدبير تداعيات انتهاء مهمة المينورسو، مع تجنب أي فراغ قد ينعكس على الاستقرار الميداني أو يفتح المجال أمام تصعيد جديد.
وفي المحصلة، تعيد تدوينة اليحياوي النقاش إلى جوهر أزمة النظام الدولي: هل تستطيع المؤسسات متعددة الأطراف تجاوز حسابات القوى الكبرى عندما يتعلق الأمر بالنزاعات الممتدة، أم أن موازين القوة ستظل المحدد الأساسي لمآلاتها؟
وبين انتقاد الباحث لهيمنة الفيتو، وتمسك الأمم المتحدة باستمرار جهودها السياسية، يجد ملف الصحراء نفسه أمام مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة تقييم أدوات التسوية، وتحديد ما إذا كان الانتقال من منطق الانتظار داخل نيويورك إلى مسارات أخرى سيغير فعلاً معادلة النزاع أم سيضيف فصلاً جديداً إلى مسار طويل لم يصل بعد إلى نهايته.
تعليقات الزوار