هبة زووم – الدار البيضاء
عرفت أسعار الطماطم خلال الأيام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً بعدد من أسواق مدينة الدار البيضاء، الأمر الذي أثار موجة من الاستياء في صفوف المواطنين، خاصة مع تزايد الإقبال على هذه المادة الأساسية خلال شهر رمضان، والتي تشكل ركيزة في العديد من الوجبات اليومية، من الحريرة إلى السلطات والمطبوخات التقليدية.
فبينما يتراوح ثمن الكيلوغرام الواحد من الطماطم في أسواق التقسيط ما بين 7 و10 دراهم، يؤكد المهنيون أن السعر على مستوى سوق الجملة لا يتجاوز 4 إلى 5.5 دراهم، في فجوة سعرية صارخة تطرح سؤالاً محرجاً: أين تذهب هذه الملايير التي يدفعها المواطنون “زيادة”؟ وأي “سوق حر” هذا الذي يُبرر هوامش ربح تتجاوز 100%؟
لا يحتاج المرء إلى خبير في الاقتصاد ليفهم أن فرقاً سعرياً بهذا الحجم بين الجملة والتقسيط لا يُعزى فقط إلى “تكاليف النقل” أو “هوامش الربح المعقولة”، بل يعكس اختلالاً هيكلياً في سلسلة التوزيع، وغياباً صارخاً لآليات المراقبة.
فإذا كان سعر الطماطم في الجملة 4 دراهم، ووصل إلى 10 دراهم في التقسيط، فهذا يعني أن 6 دراهم من كل كيلوغرام تذهب إلى “هوامش وسطاء” لا يخضعون لأي رقابة، بينما يدفع المواطن البسيط، خاصة في شهر رمضان، ثمن هذا “الجشع المنظم”.
والسؤال الجوهري: لماذا لا تتدخل السلطات لوضع سقف للأسعار في المواد الأساسية خلال المناسبات الدينية؟ وأي “حماية للمواطن” هذه التي تترك “قانون تحرير الأسعار” يُستخدم كـ”ذريعة للجشع”؟
لم تتوقف “فضيحة الأسعار” عند الطماطم، بل شملت أيضاً مواد أساسية أخرى، حيث يصل ثمن البصل في سوق الجملة إلى حوالي 6 دراهم، بينما قد يبلغ في التقسيط نحو 13 درهماً، في مفارقة مؤلمة تُعيد طرح سؤال “عدالة التوزيع”.
هذا “التفاوت الصارخ” يطرح إشكاليات عميقة حول من يحدد هوامش الربح في أسواق التقسيط، وأين هي لجان المراقبة التي يفترض أن تتدخل لضبط الأسعار وحماية المستهلك، ولماذا يُترك المواطن وحيداً أمام “مضاربات” تستغل ظرفية رمضان لرفع الأسعار.
فتحويل “الخضر” من “مواد غذائية أساسية” إلى “سلع مضاربة” لا يُهدد فقط القدرة الشرائية للمواطنين، بل يُرسّخ ثقافة “الربح على حساب الجوع” التي لطالما عانت منها الأسر المغربية.
وأرجع مهنيون هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، من بينها غياب المراقبة الكافية للأسعار، معتبرين أن عدم تفعيل لجان فعالة لمراقبة السوق يساهم في تفاقم الاختلالات، لكن الأخطر هو الإشارة إلى أن قانون تحرير الأسعار أدى في بعض الأحيان إلى حالة من “الفوضى داخل السوق”، وكانت له تداعيات سلبية على توازن الأسعار.
هذا الاعتراف يطرح سؤالاً وجودياً: إذا كان “تحرير الأسعار” يُنتج “فوضى وجشعاً”، فلماذا لا تُراجع ا هذا لحكومة الخيار؟ وأين هي “اليد الخفية للحكومة” التي يفترض أن تتدخل لتصحيح اختلالات السوق؟ وكيف يمكن حماية المواطن في ظل “سوق حر” يتحول إلى “غابة يأكل فيها القوي الضعيف”؟
فاستخدام “تحرير الأسعار” كـ”ذريعة” لتمرير “ممارسات احتكارية” لا يُعد فقط “تزييفاً للمنطق الاقتصادي”، بل هو استخفاف بمعاناة المواطنين الذين يدفعون ثمن “تجارب ليبرالية” فاشلة.
وفي محاولة “لإلقاء الكرة في ملعب المواطن”، حاول بعض المهنيين التأكيد على أن سلوك المستهلك يمكن أن يؤثر بدوره في ميزان العرض والطلب، موضحين أن بعض المواطنين يلجؤون إلى شراء كميات كبيرة من الطماطم، قد تصل إلى 10 كيلوغرامات دفعة واحدة، ما يؤدي إلى ارتفاع الطلب بشكل يفوق العرض المتوفر في السوق.
لكن هذا “التحليل” يطرح أسئلة محرجة: هل يُعقل أن يُحمَّل المواطن مسؤولية “ارتفاع الأسعار” بينما هو الضحية الأولى لها؟ وأين هي “التوعية الاستهلاكية” التي يفترض أن تقوم بها الدولة لضبط سلوك الشراء؟ ولماذا لا تُنظم حملات توعوية قبل رمضان لتفادي “الشراء الهستيري” الذي يُغذي المضاربة؟ فإلقاء اللوم على “المواطن الذي يشتري كثيراً” لا يُغني عن سؤال أعمق: لماذا لا توجد بدائل تنظيمية تمنع “احتكار المواد” و”المضاربة على الأسعار” في المناسبات الدينية؟
ولم يتوقف النقد عند “المراقبة الغائبة” و”سلوك المستهلك”، بل شمل أيضاً ما وصفه المهنيون بـ”التصدير غير المعقلن” أو “التصدير المتوحش”، والذي ينعكس بدوره على حجم العرض في السوق الوطنية.
هذا الاتهام الجسيم يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا يُسمح بتصدير الخضر بينما أسعارها “تفترس” جيوب المواطنين المغاربة؟ وأين هي “أولويات الأمن الغذائي” في سياسات التصدير الفلاحي؟ وكيف يمكن التوفيق بين “عائدات التصدير” و”قدرة المواطن على الشراء”؟
استمرار “التصدير المتوحش” اليوم في ظل “ارتفاع الأسعار محلياً” لا يُعد فقط “تناقضاً اقتصادياً”، بل هو خيار سياسي يُقدّم “مصالح المصدرين” على “حاجات المواطنين”.
وبخصوص تأثير التساقطات المطرية الأخيرة، أوضح المهنيون أن “أمطار الخير” كان لها أثر سلبي على المدى القريب بالنسبة لبعض الخضر، غير أنهم توقعوا أن تكون لها انعكاسات إيجابية على المدى المتوسط والبعيد، من خلال تحسين الفرشة المائية ودعم الإنتاج الفلاحي، ما قد يساهم في انخفاض أسعار الخضر مستقبلاً.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم هو: وماذا عن “المدى القريب”؟ كيف سيدبر أسرته خلال 20 يوماً من رمضان بينما الأسعار “تفترس” دخله؟ وأي “أمل بعيد” هذا الذي لا يُطعم الجائع اليوم؟
وفي الأخير، يُشير المهنيون إلى أن شهر رمضان يعرف عادة ارتفاعاً في وتيرة الاستهلاك، وهو ما قد يخلق ضغطاً على السوق لمدة قد تصل إلى حوالي 20 يوماً، قبل أن تعرف الأسعار نوعاً من الانفراج وتعود إلى مستويات أكثر استقراراً.
لكن انتظار “انفراج الأسعار” بعد 20 يوماً لا يُعد “حلاً”، بل هو اعتراف بالعجز عن تدبير ظرفية استهلاكية متوقعة سلفاً. والسؤال المحرج: لماذا لا تُعد الدولة “خططاً استباقية” لضبط الأسعار خلال رمضان، بدلاً من ترك المواطن “ينتظر الفرج”؟
كما لم يعد مقبولاً أن تُترك أسعار المواد الأساسية في الدار البيضاء رهينة “مضاربات الوسطاء” و”جشع التجار”، وما يحتاجه المواطنون اليوم هو تفعيل عاجل للجان المراقبة في أسواق التقسيط، مع فرض عقوبات رادعة على من يثبت تورطه في المضاربة أو الاحتكار، كما يتطلب الأمر مراجعة آلية تسعير الخضر في أسواق التقسيط، مع وضع سقف للأسعار في المناسبات الدينية.
ويُنتظر أيضاً مراجعة سياسات التصدير لضمان أولوية السوق الوطنية في المواد الأساسية، خاصة خلال شهر رمضان، بالإضافة إلى حملات توعوية استهلاكية لتفادي “الشراء الهستيري” الذي يُغذي المضاربة، مع اعتماد شفافية كاملة في نشر أسعار الجملة والتقسيط يومياً، لتمكين المواطن من محاسبة من يستغل جهله.
ما تعيشه الدار البيضاء مع “فضيحة أسعار الطماطم” ليس “تقلّباً موسمياً عادياً”، بل هو اختبار لمصداقية سياسات الحماية الاجتماعية وقدرة الدولة على تجاوز “عقلية السوق الحر” لخدمة المصلحة العامة، فإما أن تتحرك السلطات بجدية لضبط الأسعار، ومحاسبة المحتكرين، وحماية المواطن، وإما أن تستمر “فوضى الجشع” التي تُحوّل رمضان من “شهر خير” إلى “شهر غلاء” وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حماية قوتهم اليومي.
تعليقات الزوار