زيادات قياسية في أسعار المحروقات تختنق بها جيوب المغاربة وحكومة أخنوش تختار “الصمت المتواطئ”

هبة زووم – الرباط
في زمن تُصبح فيه القدرة الشرائية مجرد ذكرى، والاستقرار الاجتماعي رهينة صمت المسؤولين، تتحول أسعار المحروقات بالمغرب من مؤشر اقتصادي إلى سلاح فتاك يوجه ضربات موجعة لكل أسرة مغربية.
مشهد لا يُثير فقط استياء المواطنين، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كانت الحكومة ترفع الأسعار مرتين في 15 يوماً بينما الجارة إسبانيا تخفض الضرائب وتضخ الملايين لحماية شعبها، فكيف ننتظر من هذه الحكومة أن تكون حامية للمواطن؟ وأي مسؤولية هذه التي تسمح لصمت أخنوش بأن يُغرق المغاربة في بحر من الغلاء الممنهج؟
فبينما يتوصل أرباب محطات الوقود، زوال يوم الثلاثاء، بإشعارات رسمية تفيد بزيادة جديدة تدخل حيز التنفيذ منتصف الليلة، لا يزال المواطن ينتظر إشارة واحدة من الحكومة تُخفف عنه وطأة الفاتورة.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث المسؤولين بينما يُترك المواطن يتفرج على دخله وهو يتبخر أمام عينيه؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الأزمة العالمية من تحدي تُدار عواقبه إلى ذريعة تُبرر بها اللامبالاة؟
حين تتحول الأسعار إلى لعبة صاعدة بلا فرامل، فإن أي مواطن يصبح ضحية لهذا الارتفاع الجنوني، فها هي زيادات تتوالى، وها هي فواتير التنقل ترتفع، وها هي تكاليف النقل والبضائع تُضاعف أثمنة المواد الأساسية، بينما تُترك الأسر تدفع الثمن وحدها.
فحسب مصادر مهنية من داخل قطاع توزيع الوقود، فإن أسعار الغازوال سترتفع بمقدار 1,70 درهماً ليصل سعر اللتر إلى حوالي 14,52 درهماً، بينما سيزداد سعر البنزين بمقدار 1,57 درهماً ليصبح سعر اللتر حوالي 15,52 درهماً.
وتأتي هذه الزيادة بعد الارتفاع السابق الذي تم تنفيذه يوم 16 مارس، حيث سجل الغازوال زيادة قدرها درهمان والبنزين 1,44 درهماً، ليصل مجموع الزيادات خلال 15 يوماً فقط إلى 3,70 دراهم للغازوال و3,01 درهم للبنزين، أرقام قد تبدو للبعض مجرد معطيات في نشرة أسبوعية، لكنها في واقع الأسر المغربية تعني خصماً مباشراً من القوت اليومي، ومن كلفة تنقل العامل، ومن ثمن لقمة العيش التي سترفعها تكاليف النقل حتماً نحو المزيد من الغلاء.
في وقت تشتعل فيه أسواق الطاقة العالمية، وتتعثر فيه الاقتصادات الكبرى، يجد المواطن المغربي نفسه أمام مفارقة صارخة: فبينما تعلن الجارة الإسبانية عن حزمة إجراءات استعجالية لحماية جيوب مواطنيها، عبر خفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود من 21% إلى 10% وضخ دعم بقيمة 5 مليارات يورو، تختار حكومة عزيز أخنوش نهج “الصمت المتواطئ”، تاركة المواطن وحيداً يواجه لهيب الأسعار، دون أي إجراء موازٍ يخفف من وطأة الفاتورة.
هذا التناقض يطرح سؤالاً وجودياً: كيف نُطلب من المواطن أن يثق في سياسات الحكومة، بينما نرى الجارة تتحرك بسرعة لحماية دخل أسرها، ونحن نُترك لمواجهة الريح؟ وكيف يمكن تفسير هذا الانفصال عن الواقع الذي يحول الأزمة العالمية من تحدٍ تُدار عواقبه إلى ذريعة تُبرر بها اللامبالاة بمعاناة الناس؟
غياب التواصل الرسمي حول البدائل الممكنة، سواء عبر مراجعة الضريبة الداخلية على الاستهلاك أو تعويض الفئات المتضررة، يحول الاستياء المشروع إلى غضب متراكم.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب من يسمع صرخته قبل فوات الأوان، ويدرك أن الصمت اليوم قد يوفر راحة مؤقتة لصناع القرار، لكنه يبني جداراً من اليأس قد تكون عواقبه وخيمة على الاستقرار الاجتماعي.
والأخطر من ذلك، أن استمرار الزيادات المتتالية دون إجراءات موازية يهدد بجر القطاعات الاقتصادية والاجتماعية نحو دوامة خطيرة: ارتفاع أسعار النقل، غلاء المواد الاستهلاكية، تآكل القدرة الشرائية للأسر الهشة، كل هذه العوامل مجتمعة قد تكون القطرة التي تفيض بالكأس نحو موجة احتجاجية غير مسبوقة، في ظل تراكم الإحباط الشعبي.
لا يُطلب من الحكومة أن تحل كل المشاكل، لكن يُنتظر منها أن تكون قريبة من هموم الناس، سريعة في الاستجابة، صادقة في التواصل، زيادة المحروقات ليست مجرد أرقام في نشرة أسبوعية، بل هي قرار سياسي له تداعيات اجتماعية واقتصادية مباشرة، والمواطن الذي يرى الجارة تتحرك بينما حكومته تصمت، لن يلوم الأسواق الدولية فقط، بل سيسأل: أين دور الدولة الحامية؟
في النهاية، الكرة الآن في ملعب الجهات المعنية، فإما أن تتحول وعود الحماية الاجتماعية من كلمات في خطاب إلى إجراءات على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية ومساءلة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة اللامبالاة التي تهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على حماية دخلهم. المواطنون ينتظرون، والوقت ليس في صالح أحد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد