فاس: “ندير علاش نرجع” ليست حكمة شعبية بل منهج فساد يُغرق العاصمة الروحية في وحل الزبونية!

هبة زووم – فاس
في مدينة كانت يوماً عاصمة العلم والروحانية، حيث تُدرّس قيم النزاهة في مدارسها العتيقة، وتُحفظ مبادئ الأمانة في زواياها التاريخية، تتحول اليوم عبارة “ندير علاش نرجع” من حكمة شعبية إلى شيفرة فساد ممنهج تُدار بها دواليب السلطة المحلية، في مشهد يُعيد تعريف الديمقراطية على مقاس ثقافة المقايضة.
فبينما يُفترض أن تكون الديمقراطية المحلية بفاس قائمة على المشاركة والمساءلة، تحولت في واقع الحال إلى سوق للمصالح حيث لا يُمنح حق إلا مقابل “مقابل”، ولا يُنفذ مشروع إلا مقابل “نصيب”، في انتهاك صارخ لروح الدستور وقيم المواطنة.
لم تعد عبارة “ندير علاش نرجع” مجرد مثل شعبي يعكس ثقافة التبادل في المجتمع، بل تحولت في فاس إلى ممارسة يومية تُمارس بشكل شبه علني، حيث يُصبح العطاء العمومي سلعة تُتداول، والخدمة الإدارية عملة تُساوم عليها.
هذا الانزياح القيمي يطرح إشكاليات عميقة: كيف يمكن للمواطن أن يثق في مؤسسة تطلب منه مقابلاً مقابل خدمة من حقه الحصول عليها؟ وأين هي هيبة القانون بينما تُمارس هذه الثقافة في وضح النهار؟ ولماذا لا تتدخل الجهات الرقابية لوضع حد لهذه الممارسات؟
وفي هذا السياق، يُؤكد الفاعلون المحليون أن المواطن الذي يرفض بيع صوته، والصحفي الذي يطرح الأسئلة الصعبة، والفاعل الجمعوي الذي يراقب المشاريع، والمنتخب الذي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، كل هؤلاء يشكلون جدارًا أخلاقيًا في مواجهة الفساد.
لكن هذا الجدار الأخلاقي يطرح أسئلة محرجة: لماذا يسكت المواطن الواعي حين يرى الفساد يُمارس أمام عينيه؟ وأين هي شجاعة الصحفي المحلي الذي يفترض أن يكشف الخروقات دون خوف؟ وكيف يمكن للفاعل الجمعوي أن يراقب بينما تُترك تقاريره حبيسة أدراج المسؤولين؟
ليست المشكلة في وجود رئيس جماعة أو مجلس منتخب، بل في الطريقة التي يُمارس بها هذا الدور، فحين يتحول المنصب إلى أمانة حقيقية، يصبح المجلس الجماعي أداة للتنمية، أما حين يتحول إلى وسيلة للنفوذ والمصالح الضيقة، فإنه يفقد معناه ويصبح عبئاً على المجتمع.
هذا التحليل يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن معايير تقييم المنتخبين بناء على أثرهم التنموي الملموس؟ وأين هي آليات المحاسبة الشعبية التي تتيح للمواطنين محاسبة منتخبهم بين استحقاقين؟ وكيف يمكن ضمان استقلالية القرار المحلي بينما يُترك المنتخب رهينة ضغوط لوبيات المال والعقار؟
وأخطر من كل ما سبق، أن سلطة الوصاية التي يفترض أن تكون حارسة للنزاهة وضامنة لاحترام القانون، تتحول في بعض الحالات إلى طرف في المعادلة، عبر ممارسة سياسات تُشجع على المقايضة بدلاً من محاربتها.
فمن خلال التدخل في الملفات العقارية والمالية، تتحول بعض السلطات من رقابة إدارية إلى طرف مؤثر في تدبير الشأن المحلي، مما يطرح سؤالاً وجودياً: من يراقب من يراقب؟ وأي مسؤولية هذه التي تسمح لسلطة الوصاية بأن تتحول من حَكَم محايد إلى لاعب في الميدان؟
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل مجتمع على نفسه ليس فقط: من يفوز في الانتخابات؟ بل أيضًا: أي نوع من المسؤولين نريد؟ وأي نوع من المواطنين نكون؟
لأن الجماعات لا يفسدها رئيس فاسد وحده، بل تفسد حين يسكت الجميع عن الفساد، وحين يتحول الصمت من حكمة إلى تواطؤ، وحين يتحول التغاضي من مرونة إدارية إلى منهج تدبيري، يصبح الفساد ليس استثناءً مؤسفاً بل قاعدة مُستقرة.
ما تعيشه فاس مع ظاهرة “كندير علاش نرجع” ليس خللاً ظرفياً، بل هو اختبار مصيري لمصداقية الوعي الجماعي وقدرة المجتمع على تجاوز عقلية التغاضي لخدمة المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد