هبة زووم – الرباط
يبدو أن قطاع التعليم، الذي لم يلتقط أنفاسه بعد من أزماته المتراكمة، مُقبل من جديد على اختبار حقيقي للمصداقية والنزاهة، عنوانه التباري على مناصب المسؤولية، وجوهره سؤال قديم/جديد: هل تُحسم التعيينات بالكفاءة أم بالمحسوبية؟
وفي هذا السياق، أطلق الباحث التربوي والمدير الإقليمي السابق أحمد كيكيش تحذيرًا واضحًا لا يحتمل التأويل، مستحضرًا شبح سنة 2015، تلك السنة التي ارتبطت في الذاكرة التربوية بانزلاقات خطيرة في التعيينات، ما زالت آثارها السلبية ماثلة إلى اليوم.
تحذير كيكيش، بخصوص التباري على منصبي المدير الإقليمي بكل من ميدلت وسيدي قاسم، لا يمكن قراءته كتدوينة عابرة أو رأي شخصي، بل كـاتهام سياسي-إداري صريح يضع الجهات الوصية أمام مسؤولية تاريخية:إما القطع النهائي مع منطق “التعيين المقنّع”، أو تكريس فقدان الثقة في ما تبقى من خطاب الإصلاح.
الأخطر في كلام كيكيش ليس التحذير في حد ذاته، بل ما يفترضه ضمنيًا: وجود شبكات غير رسمية، و”سماسرة مناصب”، قادرين على التأثير في نتائج مباريات يُفترض أنها شفافة.
بل أكثر من ذلك، يربط أي انحراف محتمل بشبهات استعمال المال أو النفوذ، وهي تهمة ثقيلة لا تُرمى جزافًا، خاصة حين تصدر عن مسؤول سابق يعرف خبايا الإدارة من الداخل.
وإذ يوجّه كلامه مباشرة إلى المديرين الجهويين بكل من الرباط والرشيدية، فإن الرسالة واضحة ومحرِجة: لا مجال للتذرع بالمساطر، ولا للاختباء خلف لجان الانتقاء، إذا كانت النتائج تُطبخ خارج قاعات التباري.
ما يقع اليوم، إن صحّت هذه التحذيرات، لا يمس فقط مبدأ تكافؤ الفرص، بل يضرب في العمق ما تبقى من ثقة الأطر التربوية في الإدارة. فكيف يمكن إقناع الأستاذ بالكفاءة والاستحقاق، إذا كان الوصول إلى مواقع القرار نفسه مشوبًا بالشبهات؟ وكيف يُرجى إصلاح مدرسة عمومية تُدار بعقليات قديمة وأدوات ملتوية؟
الأكثر دلالة في تدوينة كيكيش هو تعهده بـ”المراقبة عن قرب وعن بعد”، وهو تعبير يعكس تحوّلًا في ميزان القوة: الإدارة لم تعد تشتغل في الظل، والقرارات لم تعد تمر بصمت، فاليوم، كل تعيين مشكوك فيه قد يتحول إلى فضيحة رأي عام، وكل انزلاق قد يُعرّي خطاب النزاهة المرفوع في الخطب الرسمية.
إن استحضار سنة 2015 ليس عبثًا. إنه تذكير بأن التغاضي عن الانحرافات لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وأن إعادة إنتاج نفس الممارسات لن تفضي إلا إلى نسف ما تبقى من مشروعية الإصلاح.
فهل تلتقط الجهات المعنية الرسالة قبل فوات الأوان؟ أم أننا أمام حلقة جديدة من مسلسل التعيينات المشبوهة، حيث تُرفع شعارات الشفافية علنًا، وتُدهس سرًا؟
تعليقات الزوار