هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة لا تخلو من السخرية اللاذعة والانتقاد الحاد، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى تشريح أعطاب المشهد السياسي المغربي، وهذه المرة من بوابة الانتخابات التشريعية وما وصفه بـ”فراقشية الانتخابات”، في إشارة إلى فئة من المنتخبين والمرشحين الذين يعتبر أنهم حولوا العملية الديمقراطية من آلية للتنافس السياسي إلى سوق مفتوحة للمال والنفوذ.
واختار اليحياوي أن يسلط الضوء على ما سماه “الغرب المنسي”، مستحضرا صورة قاتمة عن واقع التمثيلية السياسية بالمنطقة، حيث يرى أن المشهد الانتخابي لم يعد يفرز نخباً قادرة على الدفاع عن مصالح المواطنين أو نقل انشغالاتهم إلى المؤسسات التشريعية، بل أصبح، بحسب تعبيره، مجالا لتناوب “إقطاعيين ودخلاء ولقطاء سياسيين” على المقاعد البرلمانية.
وانتقد الأستاذ الجامعي بشدة ظاهرة الترحال الحزبي، معتبرا أن بعض المرشحين يتنقلون بين الأحزاب السياسية وفق منطق المصلحة والفرصة، لا وفق قناعات أو مشاريع سياسية واضحة، مشبها حركتهم بـ”تنقل الذباب بين صناديق القمامة”، في توصيف يعكس حجم غضبه من واقع الممارسة السياسية كما يراها.
ولم يقف نقد اليحياوي عند حدود المرشحين، بل امتد إلى المؤسسة التشريعية نفسها، حيث اعتبر أن العديد ممن يصلون إلى البرلمان لا يمثلون المواطنين بقدر ما يمثلون شبكات المصالح التي مكنتهم من الفوز، مضيفا أن بعضهم يتحولون إلى “نواب أشباح” لا يظهر لهم أثر داخل دوائرهم الانتخابية أو تحت قبة البرلمان إلا خلال المواسم الانتخابية.
وفي محاولة لتقريب الصورة أكثر، استحضر صاحب التدوينة واقعة قال إنها حدثت قبل سنوات بإحدى محطات الوقود في منطقة الغرب، حين أشار له أحد أصدقائه إلى حقيبة سوداء كانت موضوعة بالقرب من صاحب مقهى، مؤكدا أنها تمثل جزءا من الأموال المخصصة لحسم المنافسة على مقعد برلماني، وهي رواية وظفها اليحياوي للتعبير عن قناعته بأن المال الانتخابي أصبح عاملا حاسما في تحديد الفائزين أكثر من البرامج السياسية أو ثقة الناخبين.
ومن هذا المنطلق، طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى المشاركة السياسية والتصويت، إذا كانت نتائج بعض الاستحقاقات، بحسب رأيه، تُحسم مسبقا بمنطق الإمكانيات المالية والقدرة على “تمويل المزاد الانتخابي”، لا بمنطق الاختيار الحر للمواطنين.
وتحمل تدوينة اليحياوي في جوهرها انتقادا عميقا لأزمة الثقة التي أصبحت تطبع العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، خاصة في ظل استمرار الشكوك المرتبطة باستعمال المال والنفوذ خلال المحطات الانتخابية، وما يرافق ذلك من شعور متزايد لدى جزء من الرأي العام بأن الانتخابات لم تعد قادرة على إنتاج نخب سياسية جديدة أو إحداث تغيير حقيقي في موازين التدبير العمومي.
كما تعكس التدوينة تخوفا من استمرار ما يعتبره الباحث إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الآليات التي أوصلت العمل السياسي إلى حالة من التآكل وفقدان المصداقية، حيث يتحول البرلمان، في نظر منتقديه، من فضاء للتشريع والرقابة إلى امتداد لمصالح انتخابية واقتصادية ضيقة.
وفي خاتمة تدوينته، يخلص اليحياوي إلى أن الفائز الحقيقي في مثل هذه المعادلات ليس المواطن ولا الديمقراطية، بل ما أسماه “فراقشية الانتخابات”، الذين يتداولون المواقع والمقاعد فيما بينهم، بينما يبقى الناخب مجرد متفرج على عملية سياسية يشعر أن نتائجها معروفة سلفا، وأن صوته لم يعد قادرا على تغيير قواعد اللعبة أو كسر احتكار النفوذ والمال للمشهد الانتخابي.
تعليقات الزوار