اليحياوي: الحرب لم تُسقط إيران بل كرّستها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها

هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى تشريح التحولات الجيوسياسية التي أفرزتها المواجهة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، مقدماً قراءة حادة ومغايرة للسرديات المتداولة حول نتائج الحرب، ومعتبراً أن ما جرى لا يمكن اختزاله في ادعاءات النصر التي يرفعها كل طرف، بقدر ما ينبغي قياسه بحجم الأهداف التي تحققت فعلياً على الأرض.
وفي تدوينة مطولة حملت الكثير من الرسائل السياسية، تساءل اليحياوي عن الطرف الذي خرج منتصراً من هذه المواجهة، قبل أن يخلص إلى أن الإجابة لا تكمن في الخطابات الدعائية أو التصريحات الرسمية، وإنما في مقارنة النتائج النهائية بالأهداف التي دخل بها كل معسكر إلى ساحة الصراع.
ويرى الأستاذ الجامعي أن الرهان الأمريكي والإسرائيلي كان قائماً، بالدرجة الأولى، على إضعاف النظام الإيراني أو الدفع نحو انهياره عبر استهداف قياداته ومراكز قوته، غير أن هذا السيناريو لم يتحقق، حسب تقديره، رغم الضربات القوية التي تعرضت لها طهران.
فالنظام، كما يقول، تمكن من امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب صفوفه بسرعة، مستفيداً من تماسك مؤسساته وقدرة قياداته البديلة على إدارة المعركة سياسياً وعسكرياً.
وفي قراءته لأحد أبرز مفاصل الأزمة، اعتبر اليحياوي أن ورقة مضيق هرمز شكلت نقطة تحول استراتيجية في ميزان القوى، إذ نجحت إيران، بحسب تعبيره، في نقل المواجهة من بعدها العسكري الضيق إلى فضاء الاقتصاد العالمي والطاقة، محولة ممراً بحرياً حيوياً إلى ورقة ضغط دولية فرضت نفسها على أجندة القوى الكبرى والأسواق العالمية.
كما توقف عند الملف النووي الإيراني، معتبراً أن الحديث عن القضاء النهائي على القدرات النووية الإيرانية يظل محل شك، في ظل ما يصفه بصعوبة الوصول إلى البنية التحتية الاستراتيجية التي راكمتها طهران على مدى عقود، فضلاً عن استمرار امتلاكها لأوراق قوة عسكرية وتقنية تجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في معادلات المنطقة.
وبحسب اليحياوي، فإن ما تحقق لإيران يتجاوز مجرد الصمود العسكري، ليشمل مكاسب سياسية واقتصادية مرتبطة بتخفيف الضغوط والعقوبات وتعزيز الاعتراف الدولي بدورها الإقليمي، معتبراً أن طهران استطاعت فرض نفسها طرفاً أساسياً في أي ترتيبات تخص مستقبل الشرق الأوسط.
وفي المقابل، يرى أن الولايات المتحدة خرجت من الأزمة بمكاسب محدودة مقارنة بحجم الرهانات التي رفعتها في بداية المواجهة، مشيراً إلى أن التعهدات المتعلقة بالملف النووي لا تمثل، في نظره، تحولاً جذرياً بالنظر إلى المواقف الإيرانية المعلنة سابقاً بشأن عدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي.
ولم تخل التدوينة من انتقادات لاذعة لدول الخليج العربية، التي اعتبر أنها وجدت نفسها خارج دائرة التأثير الحقيقي في مجريات الأزمة، رغم ما تمتلكه من إمكانات مالية واقتصادية ضخمة. وذهب إلى أن الحرب كشفت، وفق تصوره، محدودية فعالية المظلات الأمنية التقليدية التي راهنت عليها بعض دول المنطقة لعقود طويلة.
ويخلص اليحياوي إلى أن المواجهة الأخيرة لم تُنهِ أسباب التوتر في الشرق الأوسط، بل أرجأت انفجارها فقط، محذراً من أن أي جولة جديدة قد تكون أكثر تدميراً واتساعاً، في ظل استمرار سباق التسلح وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل المنطقة مرشحة للبقاء في قلب التجاذبات والصراعات الكبرى خلال السنوات المقبلة.
وتندرج هذه التدوينة ضمن سلسلة المواقف التي دأب الباحث الأكاديمي على التعبير عنها بشأن قضايا الشرق الأوسط، حيث يواصل الدفاع عن مقاربة تعتبر أن موازين القوة الفعلية هي التي تحدد نتائج الصراعات، بعيداً عن الخطابات الإعلامية والانتصارات المعلنة من طرف مختلف الفاعلين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد