هبة زووم – الرباط
أعاد موقف حزب الاستقلال من مقترح قانون تسقيف أسعار المحروقات فتح باب الجدل حول طبيعة الأدوار التي تلعبها بعض مكونات الأغلبية الحكومية، وحول الحدود الفاصلة بين الخطاب السياسي الموجه للرأي العام والمواقف الفعلية عند لحظة اتخاذ القرار.
فالحزب الذي لم يتردد خلال الأشهر الماضية في إطلاق مواقف وتصريحات تنتقد غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وجد نفسه في نهاية المطاف مصطفاً إلى جانب الأغلبية الرافضة لمقترح قانون كان يهدف إلى التدخل للحد من الارتفاعات المتواصلة في أسعار المحروقات، وهو ما اعتبره منتقدوه تناقضاً صارخاً بين الخطاب والممارسة.
ولم يتأخر حزب الاستقلال في تقديم مبرراته لهذا الموقف، مؤكداً أن رفضه لمقترح تسقيف أسعار المحروقات لا يعني التخلي عن الدفاع عن القدرة الشرائية، بل يستند إلى اعتبارات اقتصادية وتقنية مرتبطة بتقلبات السوق الدولية وأسعار النفط العالمية، غير أن هذه التبريرات لم تنجح في إقناع جزء واسع من الرأي العام الذي يرى أن المواطن لا تعنيه التعقيدات التقنية بقدر ما يعنيه أثر الأسعار على جيبه ومعيشه اليومي.
ويبدو أن الحزب وجد نفسه أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة يسعى إلى الظهور بمظهر المدافع عن الفئات المتضررة من موجة الغلاء، ومن جهة أخرى لا يستطيع الخروج عن الانضباط السياسي الذي تفرضه قواعد التحالف الحكومي. وهي معادلة جعلت الكثيرين يتساءلون: هل ما يزال حزب الاستقلال يمتلك هامشاً مستقلاً لاتخاذ مواقفه، أم أنه أصبح جزءاً من منطق الأغلبية الذي يفرض الاصطفاف مهما كانت طبيعة الملفات المطروحة؟
الأكثر إثارة للنقاش أن الحزب حاول تقديم نفسه كصاحب بديل مختلف عبر الدعوة إلى تسقيف هوامش الأرباح بدل تسقيف الأسعار، معتبراً أن الحل يكمن في ضبط أرباح الشركات وليس في التدخل المباشر في تحديد الأثمان.
غير أن هذا الطرح يواجه بدوره انتقادات واسعة، خاصة أن المواطنين لم يلمسوا إلى اليوم أي أثر عملي لهذه الدعوات على مستوى الأسعار التي تواصل تسجيل مستويات مرتفعة.
وفي الوقت الذي هاجم فيه الحزب بعض الأطراف السياسية واتهمها بالمزايدة الانتخابية، وجد نفسه في مواجهة اتهامات مماثلة من خصومه الذين يرون أن الخطاب الاجتماعي الذي يرفعه لا ينسجم مع مواقفه داخل المؤسسات التشريعية.
فبالنسبة لهؤلاء، لا يمكن الحديث عن الدفاع عن القدرة الشرائية وفي الوقت نفسه التصويت ضد مقترحات يعتبرونها موجهة للتخفيف من الأعباء المعيشية على المواطنين.
ويكشف هذا الجدل، مرة أخرى، حجم المأزق الذي تعيشه مكونات الأغلبية الحكومية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فكل حزب يحاول تقديم نفسه كمدافع عن القضايا الاجتماعية، لكنه يجد نفسه ملزماً بالدفاع عن اختيارات حكومية قد تكون غير شعبية، وهو ما يضع مصداقيته أمام اختبار حقيقي.
وبعيداً عن السجال السياسي، يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه المواطن البسيط: إذا كانت جميع الأحزاب تؤكد حرصها على حماية القدرة الشرائية، فلماذا تستمر الأسعار في الارتفاع؟ ولماذا يتم إسقاط المقترحات التي يُفترض أنها تستهدف التخفيف من معاناة الأسر؟
إن موقف حزب الاستقلال من ملف المحروقات لا يتعلق فقط بمشروع قانون تم رفضه داخل البرلمان، بل يعكس أزمة أعمق ترتبط بعلاقة الخطاب السياسي بالفعل السياسي، وبمدى قدرة الأحزاب على التوفيق بين وعودها للناخبين والتزاماتها داخل التحالفات الحكومية، وهي معادلة ستظل تلاحق الحزب، كما تلاحق باقي مكونات الأغلبية، إلى أن تحسم صناديق الاقتراع في مدى اقتناع المغاربة بهذه التبريرات أم اعتبارها مجرد محاولة جديدة لتسويق مواقف يصعب الدفاع عنها أمام واقع اجتماعي يزداد قسوة يوماً بعد يوم.