الاتحاد الاشتراكي والمنطقة الرمادية.. حين يتحول الامتناع عن التصويت إلى هروب من المحاسبة في ملفات تهم جيوب المغاربة
هبة زووم – الرباط
أثار موقف الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بالامتناع عن التصويت على مقترحي قانون تأميم شركة “لاسامير” وتسقيف أسعار بعض المواد الأساسية موجة واسعة من الجدل، ليس فقط داخل المؤسسة التشريعية، بل أيضاً في الأوساط السياسية والشعبية التي كانت تنتظر من أحزاب المعارضة مواقف أكثر وضوحاً في ملفات ترتبط مباشرة بالقدرة الشرائية والسيادة الطاقية للمملكة.
ففي الوقت الذي اختارت فيه الأغلبية الحكومية إسقاط المقترحين بالتصويت المباشر ضدهما، فضل الاتحاد الاشتراكي التموضع في منطقة رمادية عبر الامتناع عن التصويت، قبل أن يخرج لاحقاً لتبرير موقفه باعتباره شكلاً من أشكال الاحتجاج السياسي على ما وصفه بـ”اختلال التوازن” و”التغول العددي” للأغلبية داخل البرلمان.
غير أن هذا التبرير لم يقنع الكثير من المتابعين الذين اعتبروا أن القضية لا تتعلق فقط بموازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، بل بموقف سياسي وأخلاقي واضح من ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين.
فحين يتعلق الأمر بملف بحجم “لاسامير”، الذي تحول إلى رمز للجدل حول الأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية، أو بملف تسقيف الأسعار الذي يلامس بشكل مباشر جيوب المغاربة، يصبح الرأي العام في حاجة إلى مواقف حاسمة لا إلى رسائل سياسية قابلة لتعدد التأويلات.
صحيح أن الأغلبية الحكومية تملك العدد الكافي لإسقاط أي مقترح قانون لا ينسجم مع توجهاتها، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية المعارضة في التعبير الواضح عن موقفها، فالمعارضة لا تقاس فقط بقدرتها على الفوز في عمليات التصويت، بل أيضاً بقدرتها على بناء مواقف سياسية مفهومة ومقروءة لدى المواطنين.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه الكثيرون: إذا كانت المعارضة مقتنعة بأهمية تأميم “لاسامير” أو بضرورة التدخل للحد من ارتفاع الأسعار، فلماذا لم تصوت لصالح المقترحين؟ وإذا كانت ترى أن المقترحين غير مناسبين أو غير واقعيين، فلماذا لم تصوت ضدهما؟ أما اختيار الامتناع، فقد وضع الحزب في موقع صعب بين مؤيد ومعارض، وجعل قراءته السياسية أكثر تعقيداً لدى الرأي العام.
اللافت أن الاتحاد الاشتراكي حاول تحويل النقاش من جوهر التصويت إلى الحديث عن “التغول السياسي” و”هيمنة الأغلبية”، وهي إشكالات حقيقية ومطروحة داخل التجربة البرلمانية المغربية، غير أن هذا النقاش المؤسساتي لا يلغي حقيقة أن المواطنين كانوا ينتظرون معرفة موقف الحزب من المقترحين أنفسهما، لا فقط من طريقة تدبير النقاش حولهما.
فالمواطن الذي يواجه ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية لا ينشغل كثيراً بالتفاصيل الإجرائية داخل البرلمان بقدر ما يهمه معرفة من يدافع عن مصالحه ومن يقف ضد المقترحات التي قد تخفف من أعبائه المعيشية.
ويبدو أن الأزمة الأعمق التي كشفها هذا الجدل لا ترتبط فقط بموقف الاتحاد الاشتراكي، بل بصورة المعارضة المغربية بشكل عام، والتي أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في إقناع الرأي العام بأنها تشكل بديلاً سياسياً حقيقياً وقوة ضغط قادرة على التأثير في السياسات العمومية.
ففي السياسة، قد يكون الامتناع موقفاً مشروعاً من الناحية الإجرائية، لكنه لا يكون دائماً مفهوماً من الناحية الرمزية والشعبية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات ذات حساسية اجتماعية واقتصادية كبيرة. ولذلك وجد الاتحاد الاشتراكي نفسه مضطراً إلى الدفاع عن موقفه أكثر مما دافع عن المقترحين موضوع الجدل.
واليوم، وبعد إسقاط المقترحين، لم يعد النقاش يقتصر على مصير “لاسامير” أو تسقيف الأسعار، بل امتد إلى سؤال أكبر يتعلق بدور المعارضة وحدود فعاليتها، وبقدرتها على تحويل مواقفها إلى رسائل سياسية واضحة يفهمها المواطن دون حاجة إلى بيانات تفسيرية مطولة.
ففي النهاية، قد تنجح الأغلبية في حسم التصويت بالأرقام، لكن المعارضة مطالبة أيضاً بحسم مواقفها بالوضوح، لأن المواطن لا يحاسب الأحزاب على نواياها، بل على ما تسجله مواقفها في اللحظات السياسية الحاسمة.