من يدافع عن القدرة الشرائية؟ حين تتوارى الملفات الاجتماعية خلف الجدل السياسي

هبة زووم – حسن لعشير
في الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة أجوبة عملية عن الغلاء المتواصل، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع نسب البطالة، وصعوبة الولوج إلى السكن والعلاج والتعليم، يبدو أن جزءاً من النقاش السياسي انصرف إلى قضايا جانبية تحولت، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إلى مادة للمزايدات أكثر منها مشاريع حقيقية للإصلاح.
ولعل الجدل المتجدد حول الساعة القانونية يجسد هذا التحول في أولويات الخطاب السياسي. فبعد سنوات من اعتماد الساعة الإضافية بقرار اتخذ خلال ولاية حكومة كان يقودها حزب العدالة والتنمية، عاد الملف اليوم ليطرح بقوة من طرف الحزب نفسه وهو في صفوف المعارضة، في مشهد يراه كثير من المتابعين عنواناً لتبدل المواقف بتبدل المواقع السياسية.
ولا يقف الأمر عند ملف الساعة، بل يمتد إلى عدد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي أقرتها الحكومات السابقة، مثل مواصلة تحرير أسعار المحروقات، وإصلاح صندوق المقاصة، وإجراءات جبائية وإدارية مختلفة، وهي ملفات كانت محل دفاع عندما كانت الأحزاب المعنية في موقع التدبير، قبل أن تصبح موضوع انتقاد بعد انتقالها إلى المعارضة.
وفي المقابل، تواجه الأغلبية الحكومية الحالية بدورها انتقادات واسعة بسبب استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات، وتراجع القدرة الشرائية، في وقت يعتبر فيه كثير من المواطنين أن الوعود الانتخابية لم تنعكس بالشكل المنتظر على واقعهم اليومي.
وبين هذا وذاك، يجد المواطن نفسه بعيداً عن صراعات الخطابات، منشغلاً بأسئلة أكثر إلحاحاً: كيف سيؤمن مصاريف أسرته؟ وكيف سيواجه ارتفاع تكاليف المعيشة؟ وأين فرص الشغل؟ وكيف يمكن تحسين جودة التعليم والصحة والنقل والخدمات العمومية؟
ويرى متابعون أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في اختلاف الأحزاب حول الساعة القانونية أو غيرها من الملفات الثانوية، وإنما في غياب نقاش سياسي يضع التنمية والعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية في صدارة الأولويات. فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومات أو الأحزاب بعدد التصريحات أو السجالات الإعلامية، وإنما بما ينعكس على حياته اليومية من تحسين ملموس في مستوى العيش.
ومع اقتراب الانتخابات، تبدو الأحزاب مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم برامج واقعية قابلة للتنفيذ، والابتعاد عن الخطابات الشعبوية والمزايدات الظرفية، لأن الثقة في العمل السياسي لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بالحصيلة والإنجاز والقدرة على تقديم حلول عملية للمشكلات التي تؤرق المواطنين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع المغربي: هل ستتنافس الأحزاب على تقديم حلول لأزمات الغلاء والتشغيل والخدمات العمومية، أم سيستمر استهلاك الزمن السياسي في معارك جانبية لا تغير شيئاً في واقع المواطنين؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد