أين كان أوزين يوم كانت آسفي تغرق؟

هبة زووم – طه المنفلوطي
عاد الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين، بعد أشهر من فيضانات آسفي، ليفتح مواجهة مع الصحافي ورئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين إدريس شحتان، من خلال استحضار مادة إعلامية تعود إلى سنة 2023 وتوجيه اتهامات خطيرة بشأنها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم ليس فقط: ماذا قال أوزين عن شحتان؟ بل أيضا: أين كان محمد أوزين عندما كانت آسفي تعيش محنة الفيضانات؟ أين كان حين كانت المياه تغمر أحياء المدينة، والأسر تواجه أضرارا كبيرة، والمواطنون يبحثون عمن ينقل صوتهم ومعاناتهم؟
وأين كان حين كانت كاميرات شوف تيفي حاضرة في الميدان، تنقل تفاصيل ما عاشته ساكنة آسفي، وتتابع أوضاع المتضررين، وتضع معاناتهم أمام الرأي العام؟
وأين كان حين قرر إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، الانتقال شخصياً إلى آسفي رفقة أعضاء من الجمعية، في مبادرة تضامنية حملت معها شاحنات محملة بالمساعدات العينية لفائدة عدد من المتضررين؟
المبادرة لم تكن محاولة لمنافسة الدولة أو الحلول محل المؤسسات العمومية، فالمدينة كانت تحظى بتعبئة رسمية، في إطار التعليمات الملكية والتدخلات التي أعقبت الفيضانات، لكن الرسالة كانت إنسانية بالدرجة الأولى: “ساكنة آسفي، لستم وحدكم”.
وهنا يكمن الفرق بين الحضور وقت الشدة، وبين العودة بعد مرور الأزمة للبحث في أرشيف قديم واستخدامه في مواجهة صحافي.
فإذا كان أوزين حريصا اليوم على الحديث عن إدريس شحتان، فإن سكان آسفي من حقهم أيضا أن يسألوا: أين كان أوزين خلال تلك الأيام؟ وما الذي قدمه للمدينة آنذاك؟
لا يتعلق الأمر هنا بمطالبة أي سياسي بأن يحل محل الدولة أو فرق الإنقاذ، وإنما يتعلق بالسؤال عن الحضور السياسي والإنساني في لحظة كانت فيها مدينة بأكملها تعيش ظرفا استثنائيا.
فخلال الفيضانات، لم تنتظر شوف تيفي انتهاء الأزمة حتى تتحدث عنها، صحافيوها كانوا في الميدان، ينقلون شهادات المواطنين، ويصورون الأضرار، ويتابعون الملفات المرتبطة بالكارثة، ويمنحون المتضررين مساحة لإيصال أصواتهم.
وكان ذلك امتداداً لطريقة اشتغال المؤسسة التي جعلت من مشاكل المواطنين وملفاتهم الاجتماعية مادة أساسية في تغطياتها.
لكن إدريس شحتان لم يكتف بمتابعة ما يجري عبر شاشة أو من خلف مكتب، انتقل إلى آسفي بنفسه، رفقة أعضاء الجمعية، وحضرت معه شاحنات من المساعدات.
قد يقول قائل إن آسفي لم تكن بحاجة إلى هذه المساعدات، لأن الدولة تكفلت بالموضوع، وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن المبادرات التضامنية لا تقاس دائماً بقيمة ما تحمله الشاحنات، وإنما بالرسالة التي تحملها، والرسالة التي حملها شحتان والجمعية كانت واضحة: “نحن معكم، ونشعر بما عشتموه، ولستم وحدكم”.
ولعل أكثر ما يجعل الهجوم على إدريس شحتان مثيرا للاستغراب هو أن الرجل لا ينظر إليه داخل المؤسسة باعتباره مجرد مدير.
صحافيو شوف تيفي، دون استثناء، يعتبرونه فردا من أسرتهم الصغيرة، هذه العلاقة لم تبن في يوم واحد، وإنما تشكلت عبر سنوات من العمل المشترك، والمواقف، والأزمات، والنجاحات.
فالعاملون معه يعرفون جيدا أنه لا يكتفي بإدارة المؤسسة من الناحية المهنية، بل يتابع مشاكلهم، ويساعد في حل عدد منها، ويقف إلى جانبهم في الظروف الصعبة، ويتدخل في العديد من الحالات الإنسانية التي يكون فيها صحافيو المؤسسة أو المواطنون الذين يقصدون القناة في حاجة إلى الدعم.
وبالنسبة إلى كثير منهم، فإن شحتان حاضر في أحزانهم قبل أفراحهم، وفي أزماتهم قبل لحظات نجاحهم، ولهذا، فإن الصورة التي يحاول البعض رسمها عنه من الخارج لا تشبه إطلاقا الصورة التي يعرفها العاملون معه من الداخل، أما اتهام استغلال القاصرين… فهو موضوع آخر تماما.
اتهام صحافي أو مؤسسة إعلامية باستغلال قاصر ليس تفصيلا عابرا يمكن استعماله في سجال سياسي، إنه اتهام خطير يحتاج إلى دليل واضح.
ووفق المعطيات التي قدمتها شوف تيفي، فإن الفتاة التي ظهرت في الفيديو الذي استحضره أوزين كانت راشدة، وأن الفيديو كان مرتبطا بعرض موهبتها ورغبتها في الظهور بها.
وبالتالي، فإن تقديم الواقعة للرأي العام على أساس أنها تتعلق باستغلال قاصر، دون تقديم دليل يثبت ذلك، يطرح أسئلة جدية حول خلفيات هذا الهجوم.
وإذا كان محمد أوزين يتوفر على أدلة تثبت عكس ذلك، فإن الطريق واضح: ليقدمها، أما أن ينتظر إلى اليوم، ثم يعود إلى مادة تعود إلى ثلاث سنوات ليجعل منها مدخلا للهجوم على شحتان، فذلك يفتح الباب أمام سؤال أكبر: لماذا الآن؟ من حضر في آسفي ومن حضر في الأرشيف؟
في نهاية المطاف، لا يحتاج الأمر إلى الكثير من الكلام، الوقائع موجودة، شوف تيفي كانت في الميدان، إدريس شحتان انتقل إلى آسفي، شاحنات محملة بالمساعدات وصلت إلى المدينة، صحافيو المؤسسة نقلوا معاناة المواطنين، والجمعية وجهت رسالة تضامن إلى ساكنة آسفي.
أما محمد أوزين، فالسؤال الذي سيظل مطروحا هو: أين كان يوم كانت آسفي تحتاج إلى من يقف إلى جانبها؟ ولماذا لم نسمع آنذاك هذا الصوت نفسه الذي نسمعه اليوم وهو يتحدث عن إدريس شحتان؟
فالمواطن لا يقيس المواقف فقط بما يقال أمام الكاميرات، وإنما بما يفعله أصحابها عندما تكون الكاميرات أقل حضورا، والمحنة أكبر.
وقد تختلف مع شوف تيفي، وقد تختلف مع إدريس شحتان، وقد تنتقد أسلوب المؤسسة أو خطها التحريري، لكن ذلك لا يمنح أي طرف الحق في تحويل اتهامات خطيرة إلى حقائق دون دليل.
آسفي تتذكر من نقل معاناتها، ومن جاء إليها، ومن تضامن معها، ومن قال لها في لحظة صعبة: لستم وحدكم، أما العودة اليوم، بعد مرور الأزمة، للحديث عن شحتان، فلا يمكن أن تمحو ما حدث بالأمس، فالوقائع لا تمحى بالتصريحات، والأفعال لا تحتاج إلى حملات انتخابية حتى تتحدث عن أصحابها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد