هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي يواصل فيه ملايين المغاربة مواجهة موجات متتالية من الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، أعادت الأرقام الرسمية الصادرة عن مجلس المنافسة فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب، والمتعلق بأرباح شركات توزيع المحروقات وهوامش الربح التي تحققها بعد سنوات من تحرير القطاع.
فقد كشف مجلس المنافسة أن شركات توزيع الغازوال والبنزين التسع المعنية باتفاقات الصلح سجلت خلال الفصل الرابع من سنة 2025 هامش ربح تجاري خام متوسط بلغ 1,23 درهم للتر بالنسبة للغازوال و1,85 درهم للتر بالنسبة للبنزين، وهي أرقام كفيلة بإعادة إشعال النقاش حول من يستفيد فعلاً من سياسة تحرير الأسعار، ومن يتحمل كلفتها الحقيقية.
ورغم أن التقرير سجل تراجعاً نسبياً في بعض الفترات، فإن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بتقلبات الهوامش من شهر إلى آخر، بل باستمرار تحقيق أرباح مهمة في قطاع يعتبر من أكثر القطاعات تأثيراً على الحياة اليومية للمواطنين وعلى تكلفة النقل والإنتاج وأسعار مختلف السلع والخدمات.
الأرقام تكشف بوضوح أن هوامش الربح الخاصة بالبنزين ظلت أعلى من تلك المتعلقة بالغازوال بفارق متوسط بلغ 62 سنتيماً للتر الواحد، وهو فارق يعكس استمرار مستويات ربحية مرتفعة رغم كل المبررات التي تقدمها الشركات بشأن تقلبات السوق الدولية وكلفة الاستيراد.
وتأتي هذه المعطيات في ظرفية سياسية حساسة، خاصة بعد الجدل الذي أثاره رفض الأغلبية الحكومية لمقترح تسقيف أسعار المحروقات داخل البرلمان، وهو القرار الذي اعتبرته المعارضة وعدد من النقابات انحيازاً واضحاً لمصالح الفاعلين الكبار في القطاع على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
فإذا كانت الحكومة تبرر موقفها بمنطق السوق الحر وتشجيع الاستثمار، فإن الأرقام الرسمية نفسها تطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود هذا التحرير، ومدى قدرة آليات المنافسة الحقيقية على حماية المستهلك من الارتفاعات المتكررة للأسعار.
ويذهب عدد من المتابعين إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في حجم الأرباح، بل في غياب الثقة لدى الرأي العام. فالمواطن المغربي لا يرى سوى أن أسعار المحروقات ترتفع بسرعة عندما ترتفع الأسعار الدولية، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عندما تتراجع في الأسواق العالمية، وهو ما يفسر استمرار الشكوك بشأن آليات تحديد الأسعار وهوامش الربح الحقيقية.
كما أن استمرار هذا الجدل يكشف أن ملف المحروقات لم يعد مجرد قضية اقتصادية تقنية، بل تحول إلى قضية اجتماعية وسياسية بامتياز، ترتبط مباشرة بالقدرة الشرائية وبثقة المواطنين في المؤسسات المكلفة بحماية المنافسة وضمان التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق المستهلكين.
واليوم، وبينما تكشف التقارير الرسمية عن استمرار تحقيق هوامش ربح مهمة، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط لكنه بالغ الدلالة: إذا كانت الشركات تحقق هذه الأرباح رغم تراجع بعض الأسعار الدولية في فترات معينة، فأين ينعكس ذلك على فاتورة المستهلك المغربي؟
إن أرقام مجلس المنافسة قد لا تكون كافية وحدها لإدانة أي طرف، لكنها بالتأكيد تعيد طرح السؤال الذي لم يجد جواباً مقنعاً منذ سنوات: من المستفيد الأكبر من تحرير أسعار المحروقات؟ المواطن أم شركات التوزيع؟
وإلى أن يتم تقديم إجابات واضحة ومقنعة، سيظل ملف المحروقات واحداً من أكثر الملفات القادرة على إشعال الجدل السياسي والاجتماعي، خصوصاً في بلد ما تزال فيه القدرة الشرائية للمواطن تحت ضغط مستمر، بينما تواصل شركات القطاع تسجيل هوامش ربح تثير الكثير من علامات الاستفهام.
تعليقات الزوار