هل بدأ التمرد داخل الأغلبية؟ البام والاستقلال يضعان الأحرار في عزلة بملف دعم استيراد المواشي

هبة زووم – الرباط
يبدو أن ملف الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي تحول من مجرد قضية اقتصادية واجتماعية مثيرة للجدل إلى قنبلة سياسية تهدد بإعادة رسم ملامح العلاقة داخل الأغلبية الحكومية نفسها، بعدما برزت مؤشرات قوية على اقتراب حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال من الاصطفاف إلى جانب المعارضة في مسعى لتشكيل لجنة تقصي حقائق برلمانية حول أحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الولاية الحكومية الحالية.
ففي الوقت الذي ظل فيه حزب التجمع الوطني للأحرار يدافع عن حصيلة الحكومة وخياراتها المرتبطة بالدعم الموجه للقطاع، بدأت أصوات من داخل الأغلبية نفسها ترسل إشارات سياسية غير مسبوقة، تعكس رغبة واضحة في النأي بالنفس عن كلفة ملف أثار غضباً شعبياً واسعاً، بسبب استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء رغم الملايير التي تم ضخها لدعم الاستيراد.
المعطيات المتداولة داخل المؤسسة التشريعية توحي بأن المبادرة التي ظلت تراوح مكانها لعدة أشهر قد تجد هذه المرة طريقها نحو التفعيل، ليس بفعل قوة المعارضة فقط، بل بسبب تغير موازين المواقف داخل الأغلبية ذاتها. وهو تطور يحمل أكثر من رسالة سياسية، خصوصاً وأنه يأتي في مرحلة بدأت فيها الأحزاب تستعد عملياً للمعركة الانتخابية المقبلة.
فإذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار يعتبر هذا الملف جزءاً من حصيلته الحكومية التي يسعى للدفاع عنها، فإن حليفيه الاستقلال والأصالة والمعاصرة يبدوان أكثر ميلاً إلى اعتماد مسافة سياسية آمنة، تسمح لهما بتفادي تحمل تبعات ملف تحول إلى عبء ثقيل في نظر جزء من الرأي العام.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن ما يجري لا يتعلق فقط بالرغبة في كشف حقيقة أوجه صرف الدعم أو تقييم نتائجه، بل يعكس أيضاً بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع داخل الأغلبية.
فكل حزب أصبح يبحث عن موقعه الخاص قبل الانتخابات المقبلة، ويسعى إلى تقديم نفسه كمدافع عن مصالح المواطنين حتى ولو اقتضى الأمر الاصطدام بحلفائه داخل الحكومة.
وتزداد دلالة هذه التحركات عندما تصدر عن أحزاب تشارك بشكل مباشر في تدبير الشأن الحكومي، لأن المطالبة بلجنة تقصي الحقائق في هذه الحالة لا تعني فقط مساءلة السياسات العمومية، بل تتحول عملياً إلى مساءلة غير مباشرة للحكومة نفسها وللجهات التي أشرفت على تنفيذ هذا الدعم.
كما أن نجاح المبادرة سيضع الأغلبية أمام اختبار سياسي صعب، إذ سيكون من الصعب تبرير رفض الكشف عن المعطيات المرتبطة بهذا الملف في ظل تصاعد المطالب البرلمانية والشعبية بضرورة معرفة المستفيدين الحقيقيين من الدعم وحجم أثره الفعلي على الأسعار بالسوق الوطنية.
وفي المقابل، يعتقد كثير من المراقبين أن ما يحدث يكشف حجم القلق الذي بدأ يتسلل إلى مكونات الأغلبية مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية. فالأحزاب التي كانت تتحدث بلغة موحدة قبل سنوات أصبحت اليوم أكثر حرصاً على رسم حدود فاصلة بينها وبين شركائها، تفادياً لتحمل كلفة ملفات اجتماعية واقتصادية أثارت الكثير من الجدل.
وإذا كان تشكيل لجنة تقصي الحقائق يحتاج إلى استكمال المساطر القانونية والحصول على العدد المطلوب من التوقيعات البرلمانية، فإن الرسالة السياسية الأبرز أصبحت واضحة: التصدعات داخل الأغلبية لم تعد مجرد تكهنات أو قراءات صحفية، بل بدأت تظهر عملياً في ملفات حساسة تمس مباشرة صورة الحكومة وحصيلتها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يذهب حزبا الاستقلال والأصالة والمعاصرة إلى النهاية في هذا المسار ويصطفان فعلاً إلى جانب المعارضة لفرض لجنة تقصي حقائق؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ورقة ضغط سياسية ورسالة انتخابية مبكرة موجهة إلى حليفهما في الحكومة؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكنها بالتأكيد ستكشف ما إذا كانت الأغلبية الحكومية ما تزال متماسكة، أم أنها دخلت فعلياً مرحلة الحسابات الانتخابية التي تسبق عادة لحظات التفكك وإعادة ترتيب التحالفات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد