إدريس الكنبوري يفتح النار على الأنظمة العربية: غزة تحت الإبادة والأنظمة بين “الطمع والخنوع”

هبة زووم – الرباط
عاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري إلى واجهة النقاش بشأن الحرب في غزة، من خلال تدوينة جديدة اتخذت نبرة شديدة اللهجة في انتقاد إسرائيل، كما وجه فيها انتقادات مباشرة إلى عدد من الأنظمة العربية، محملاً إياها مسؤولية سياسية وأخلاقية عن استمرار معاناة الفلسطينيين.
الكنبوري اعتبر أن ما يجري في غزة يتواصل “على مرأى ومسمع” من الأنظمة العربية، التي وصفها بأنها واقعة بين “الطامع والخانع”، منتقداً ما اعتبره تراجعاً في مستوى التحرك العربي بعد اندلاع الحرب، وانحسار الاحتجاجات والمسيرات التي عرفتها عدة بلدان في مراحل سابقة.
وفي قراءة سياسية حادة، يرى الباحث أن هذا التراجع منح إسرائيل مساحة أكبر لمواصلة عملياتها العسكرية، معتبراً أن القضية الفلسطينية لم تعد تحظى بالضغط الشعبي والسياسي الذي كان يمكن أن يشكل عاملاً مؤثراً في مسار الأحداث.
كما ربط الكنبوري بين ما يجري في غزة وبين ملف تهجير الفلسطينيين، معتبراً أن الحديث المتكرر عن إخراج سكان القطاع من أراضيهم يعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة بشأن مستقبل غزة وسكانها، في ظل استمرار الحرب والتدهور الإنساني.
وفي هذا السياق، أشار الباحث إلى تصريحات ومواقف إسرائيلية وأمريكية مرتبطة بفكرة فتح المجال أمام سكان غزة لمغادرة القطاع، مقدماً ذلك باعتباره امتداداً لمشروع أوسع يراه مرتبطاً بإعادة تشكيل واقع غزة ديموغرافياً وسياسياً.
وانتقل الكنبوري إلى ملف الاتفاقات التي أُبرمت خلال مسار الحرب، منتقداً ما اعتبره استمرار عدم تنفيذ الالتزامات المتفق عليها بين الأطراف الفلسطينية وإسرائيل، ومشككاً في قدرة الاتفاقات الدولية والإقليمية على فرض حلول دائمة في ظل اختلال موازين القوة.
ولم يكتف الباحث بانتقاد إسرائيل، بل وجه الجزء الأكثر حدة من تدوينته إلى الأنظمة العربية، معتبراً أن المشكلة لا تكمن فقط في الطرف الذي يشن الحرب، وإنما أيضاً في البيئة السياسية الإقليمية التي تسمح، بحسب قراءته، باستمرار الوضع القائم دون ضغط عربي كافٍ.
ويذهب الكنبوري إلى أن بعض الأنظمة العربية انتقلت من مرحلة التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية إلى مرحلة البحث عن مصالحها الخاصة، منتقداً في هذا الإطار مسار التطبيع والعلاقات السياسية مع إسرائيل.
ويستعمل الباحث لغة دينية وسياسية قوية في انتقاد هذا المسار، معتبراً أن رفع الشعارات الدينية والمشاركة في الشعائر لا ينبغي أن تتناقض مع المواقف السياسية تجاه قضية فلسطين.
وتكشف تدوينة الكنبوري، في جوهرها، عن سؤال أكبر يتجاوز غزة نفسها: **ما موقع القضية الفلسطينية في السياسة العربية اليوم؟**
فبينما تستمر الحرب وتتفاقم الكلفة الإنسانية، يبرز جدل متواصل بشأن حدود الدور العربي، ومدى قدرة الدول العربية على التأثير في مسار الأحداث، وما إذا كانت أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي تُستخدم بالقدر الكافي.
كما يطرح هذا النقاش سؤالاً آخر حول مستقبل القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، خصوصاً مع استمرار الحديث عن مستقبل قطاع غزة، وإعادة الإعمار، والتهجير، وترتيبات الحكم والأمن بعد الحرب.
وفي الوقت الذي يرى فيه مؤيدو الموقف الذي عبّر عنه الكنبوري أن المواقف العربية الرسمية لم ترتقِ إلى مستوى حجم المأساة الإنسانية، يرى آخرون أن تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي تجعل خيارات الدول العربية محدودة، وأن المواجهة السياسية والدبلوماسية لا يمكن اختزالها في المواقف العلنية وحدها.
غير أن اللافت في تدوينة الباحث هو أنها أعادت وضع المسؤولية العربية في قلب النقاش، بدل حصرها في إسرائيل وحدها، داعياً بصورة ضمنية إلى مراجعة عميقة لطريقة تعامل الأنظمة العربية مع القضية الفلسطينية.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع لغته ومواقفه، فإن تدوينة الكنبوري تعكس استمرار حضور غزة في النقاش السياسي والفكري العربي، وتعيد طرح أسئلة ثقيلة حول معنى التضامن العربي، وحدود التطبيع، ومستقبل القضية الفلسطينية، ودور الأنظمة العربية في مرحلة يبدو فيها الصراع أبعد من أن يكون مجرد حرب عسكرية.
وفي ختام تدوينته، اختار الكنبوري لغة حاسمة تجمع بين البعد الديني والسياسي، مؤكداً أن الاحتلال، في نظره، ليس قدراً أبدياً، وأن التاريخ لا يمنح شرعية دائمة لأي قوة تقوم على الاحتلال والقهر.
وبذلك لا تبدو تدوينة الكنبوري مجرد تعليق عابر على أحداث غزة، وإنما رسالة سياسية وفكرية شديدة اللهجة، تضع الأنظمة العربية أمام سؤال المسؤولية، وتطالب بإعادة النظر في طبيعة مواقفها من حرب لا تزال تداعياتها تتجاوز حدود القطاع لتطال مجمل المنطقة ومستقبل القضية الفلسطينية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد