هبة زووم – الرباط
في توقيت لا يخلو من دلالات انتخابية، خرج الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة ليعلن عن “تعاقد سياسي جديد” مع المواطنات والمواطنين، يقوم على خمسة التزامات كبرى تشمل حماية القدرة الشرائية، ومحاربة الفساد، وتعزيز الخدمات العمومية، والدفاع عن القيم، وترسيخ السيادة الوطنية، غير أن هذا الخطاب يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه محرج: ماذا عن التعاقد القديم الذي حمل الحزب إلى الحكومة ومنحه موقعاً في قلب الأغلبية؟
فالمغاربة لا يعيشون اليوم خارج سياق التجربة الحكومية الحالية، بل يقيمونها بشكل يومي من خلال أسعار المواد الأساسية، ومستوى الخدمات، وفرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، وهي ملفات كان حزب الاستقلال شريكاً في تدبيرها وليس مراقباً من مقاعد المعارضة.
المفارقة اللافتة أن بركة تحدث بإسهاب عن ضرورة حماية القدرة الشرائية ومحاربة الوسطاء والريع والاحتكار، وهي ملفات كانت ولا تزال ضمن اختصاصات الحكومة التي يشارك فيها حزبه.
لذلك يبدو من المشروع أن يتساءل المواطن: إذا كانت هذه التشخيصات صحيحة، فلماذا لم تُترجم إلى سياسات أكثر فعالية خلال سنوات المشاركة في السلطة؟
الأكثر إثارة للانتباه أن الدعوة إلى “صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح” تأتي في وقت ينتظر فيه الرأي العام إجراءات ملموسة تتجاوز الشعارات السياسية، فمحاربة الفساد لا تقاس بعدد الخطب والبيانات، بل بمدى تفعيل آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة واتخاذ قرارات جريئة ضد شبكات الامتيازات والاحتكار.
كما أن الحديث عن استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات لا يمكن فصله عن تقييم الأداء الحكومي، فالثقة لا تُبنى بإعلان تعاقدات جديدة كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، وإنما بالوفاء بالتعهدات السابقة وتقديم حصيلة واضحة تقنع المواطنين بأن ما وُعدوا به قد تحقق أو أن هناك جهداً حقيقياً بُذل لتحقيقه.
ولا يختلف الأمر بالنسبة للمدرسة العمومية والصحة والحماية الاجتماعية، إذ إن هذه الملفات ظلت حاضرة بقوة في الخطاب السياسي منذ سنوات، بينما لا يزال المواطن يطالب بتحسين ملموس في جودة الخدمات وتقليص الفوارق المجالية وضمان الولوج المنصف إليها.
أما الرهان على السيادة الاقتصادية والتكنولوجية والغذائية، فهو هدف استراتيجي يحظى بإجماع واسع، لكنه يحتاج إلى سياسات تنفيذية واستثمارات وإصلاحات مؤسساتية أكثر من حاجته إلى عناوين سياسية جذابة.
ومن زاوية أخرى، فإن إعلان “تعاقد سياسي جديد” قد يُفهم على أنه إقرار ضمني بأن التعاقد السابق لم يحقق ما كان منتظراً منه، أو على الأقل أنه لم ينجح في ترميم فجوة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي، لذلك، فإن أي دعوة إلى صفحة جديدة ستظل ناقصة ما لم تسبقها قراءة نقدية صريحة للحصيلة وتحديد واضح لمواطن التعثر والمسؤوليات.
إن الناخب المغربي لم يعد يبحث عن الوعود بقدر ما يبحث عن النتائج. فهو يريد أن يعرف كيف ستنخفض الأسعار، وكيف ستتحسن الخدمات، وكيف ستحارب مظاهر الريع والاحتكار عملياً، لا أن يسمع تشخيصاً لمشكلات يعرفها جيداً ويعيش آثارها كل يوم.
وفي النهاية، قد يكون التحدي الأكبر أمام حزب الاستقلال، كما أمام باقي مكونات الأغلبية، ليس في صياغة تعاقد جديد مع المواطنين، بل في تقديم جواب مقنع عن سؤال يزداد حضوراً في الشارع: إذا كانت هذه الأولويات معروفة منذ سنوات، فلماذا لم تتحول إلى منجزات يشعر بها المواطن قبل أن تعود مجدداً كوعود انتخابية؟
تعليقات الزوار