هبة زووم – الرباط
ليس الرقم وحده هو الصادم، بل الرسالة التي يحملها، فعندما يحاول عشرات الآلاف من الشباب التوجه نحو سبتة المحتلة، فإن الأمر يتجاوز كونه مجرد موجة هجرة غير نظامية، ليصبح مؤشراً مقلقاً على أزمة ثقة وأفق، تستدعي مساءلة حقيقية حول السياسات العمومية ومآلاتها.
فالمشهد الذي تابعته وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لم يكن عادياً. شباب، ونساء، وأطفال، وعائلات كاملة، يخاطرون بكل شيء أملاً في مستقبل يعتقدون أنه يوجد خارج حدود الوطن، إنها صور يصعب اختزالها في الجانب الأمني أو التعامل معها باعتبارها مجرد حالات معزولة، لأنها تعكس واقعاً اجتماعياً واقتصادياً يفرض على الجميع طرح الأسئلة الصعبة.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض المشاهد أظهرت شباباً يرددون شعارات تمجد إسبانيا. وقد تختلف القراءات حول هذه السلوكات، لكن من الصعب إنكار أنها تعكس حالة من الإحباط واليأس وفقدان الثقة في المستقبل. فالشباب لا يولدون وهم يحلمون بالهجرة، بل تدفعهم إليها ظروف يشعرون معها بأن أبواب الأمل تضيق يوماً بعد آخر.
لقد حذر كثيرون، خلال السنوات الماضية، من أن استمرار البطالة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع كلفة المعيشة، وضعف فرص الإدماج الاقتصادي، قد يدفع فئات واسعة من الشباب إلى البحث عن أي منفذ للهروب. غير أن هذه التحذيرات لم تحظ، في نظر منتقدين، بالقدر الكافي من الاهتمام، بينما استمر الخطاب الرسمي في الحديث عن الإنجازات والمشاريع الكبرى، دون أن ينعكس ذلك بالقدر نفسه على حياة شريحة واسعة من المواطنين.
واليوم، لا يكفي الاكتفاء بتعداد المشاريع أو استعراض المؤشرات الاقتصادية، لأن السؤال الذي يطرحه الشارع أبسط وأعمق في الوقت نفسه: لماذا يشعر آلاف الشباب بأن مستقبلهم يوجد خارج وطنهم؟ ولماذا أصبح البحر، بكل مخاطره، خياراً يبدو لدى البعض أقل قسوة من واقع يصفونه بانسداد الأفق؟
إن المسؤولية السياسية لا تقاس فقط بحجم المشاريع المعلنة أو البلاغات الرسمية، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين واستعادة ثقتهم في المؤسسات. فحين يفقد المواطن الإحساس بأن وطنه قادر على احتضان طموحه، فإن أي خطاب، مهما كان براقاً، يفقد تأثيره أمام واقع يفرض نفسه بقوة.
ولا يتعلق الأمر بإلقاء اللوم على جهة واحدة أو اختزال الأسباب في عامل بعينه، فالهجرة ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وأحياناً شخصية. لكن ذلك لا يلغي ضرورة تقييم السياسات العمومية بجرأة، والوقوف عند مكامن الخلل، لأن استمرار المؤشرات المقلقة يستوجب نقاشاً وطنياً مسؤولاً حول فرص الشغل، وجودة التعليم، والعدالة المجالية، والقدرة على توفير أفق حقيقي للشباب.
إن الرسالة التي تبعث بها هذه المشاهد واضحة: فالوطن لا يحافظ على أبنائه بالشعارات وحدها، ولا بالخطب الرنانة، وإنما بسياسات تمنحهم أسباباً للبقاء، وتفتح أمامهم آفاق العمل والكرامة والمشاركة في بناء المستقبل.
فالأوطان تُبنى عندما يشعر المواطن بأن له مكاناً فيها، وأن مستقبله يمكن أن يصنع داخلها، لا عندما يصبح البحر، بكل مخاطره، أقرب إلى أحلامه من اليابسة التي ولد عليها.
تعليقات الزوار