هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، تجد الحكومة نفسها في قلب انتقادات مهنية بسبب طريقة تدبيرها لورش إصلاحي حساس، بعدما فجّر مرسوم مراجعة أثمنة الأدوية موجة استياء داخل قطاع الصيدلة، وسط اتهامات صريحة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بتغليب الحسابات السياسية والانتخابية على المقاربة المؤسساتية والحوار الجاد مع الفاعلين.
فقد أعربت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب عن رفضها للصيغة التي صادق عليها المجلس الحكومي يوم 22 يوليوز 2026، معتبرة أن الوزارة تجاهلت بشكل كامل الملاحظات والمقترحات التي قدمها المهنيون منذ انطلاق ورش الإصلاح، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى جلسات التشاور إذا كانت مخرجاتها لا تجد طريقها إلى النصوص التنظيمية.
ورغم تأكيد الصيادلة دعمهم لأي إصلاح يهدف إلى تخفيض أسعار الأدوية وتسهيل ولوج المواطنين إلى العلاج، فإنهم يرون أن الحكومة اختارت معالجة الملف بمنطق تقني ضيق، متجاهلة التوازنات التي يقوم عليها القطاع، وفي مقدمتها حماية الأمن الدوائي الوطني وضمان استمرارية الصيدليات التي تشكل الحلقة الأولى في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين.
وتحذر الكونفدرالية من أن المرسوم، بصيغته الحالية، لن يعالج الاختلالات الحقيقية التي يعرفها سوق الدواء، بل قد يفاقمها، من خلال استمرار ظاهرة اختفاء الأدوية منخفضة الثمن، واتساع الاعتماد على الاستيراد على حساب الصناعة الوطنية، بما يضعف السيادة الدوائية للمملكة ويجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الخارجية.
ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل اعتبرت الهيئة المهنية أن آليات تخفيض أسعار الأدوية الباهظة لن تحقق الأثر الاجتماعي الذي تروج له الحكومة، في وقت ستستفيد فيه بعض المختبرات وشركات التأمين أكثر من المواطن، بينما ستجد آلاف الصيدليات نفسها أمام أوضاع مالية أكثر هشاشة، في غياب أي إجراءات موازية لتنفيذ توصيات مجلس المنافسة المتعلقة بتوسيع اختصاصات الصيدليات وتمكينها من خدمات صحية جديدة تضمن استدامتها.
ويثير هذا الجدل سؤالاً جوهرياً حول فلسفة الإصلاح التي تعتمدها الحكومة، إذ يبدو أن القرارات المرتبطة بقطاعات استراتيجية أصبحت تُتخذ بمنطق السرعة أكثر من اعتمادها على الحوار والتوافق مع المتدخلين، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الإصلاحات ويهدد بتحويلها إلى مصدر جديد للتوتر داخل القطاعات المهنية.
والأكثر إثارة للانتباه أن الكونفدرالية ذهبت إلى حد تحميل الحكومة ووزارة الصحة المسؤولية السياسية والإدارية عن أي تداعيات مستقبلية قد تطال الأمن الدوائي الوطني أو استقرار الصيدليات، مبرزة أن حوالي 50 في المائة من الصيدليات المغربية تعيش أصلاً أوضاعاً اقتصادية صعبة، وهو معطى يجعل أي إصلاح غير متوازن قابلاً لتعميق الأزمة بدل معالجتها.
إن إصلاح منظومة الدواء لا يمكن أن يختزل في تخفيض الأسعار وحده، بل ينبغي أن يقوم على رؤية شمولية توازن بين حق المواطن في الولوج إلى العلاج، وحماية الصناعة الدوائية الوطنية، وضمان استمرارية الصيدليات باعتبارها مرفقاً صحياً أساسياً. أما الاكتفاء بإجراءات أحادية الجانب، دون إشراك حقيقي للمهنيين، فقد يحول إصلاحاً منتظراً إلى أزمة جديدة تتحمل الحكومة كامل مسؤوليتها السياسية والإدارية.
تعليقات الزوار