قنبلة التقاعد الموقوتة.. تقرير رسمي يدق ناقوس الخطر ويحذر من كلفة استمرار التأجيل
هبة زووم – الرباط
دق تقرير رسمي جديد ناقوس الخطر بشأن مستقبل أنظمة التقاعد بالمغرب، محذراً من أن استمرار الحكومات في تأجيل الإصلاح الهيكلي لهذا الورش الحساس لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة ورفع الكلفة المالية لمعالجتها، في وقت تقترب فيه بعض الصناديق من مرحلة حرجة قد تهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين.
التقرير السنوي حول الاستقرار المالي لسنة 2025، الصادر عن بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، كشف معطيات مقلقة حول الوضعية المالية لصناديق التقاعد، مبرزاً تفاوتاً كبيراً في قدرتها على الاستمرار، مع تسجيل هشاشة واضحة لدى بعض الأنظمة التي لم يعد يفصلها عن استنفاد احتياطاتها سوى بضع سنوات.
وأبرز التقرير أن النظام الجماعي للمعاشات المدنية (CMR-RPC) يظل الحلقة الأضعف، إذ لا يتجاوز أفق استدامته ما بين خمس وست سنوات، وهو ما يعكس استمرار الاختلالات البنيوية رغم الإصلاحات البارامترية التي تم اعتمادها سنة 2016. ورغم أن الزيادات الأخيرة في الأجور ساهمت نسبياً في تحسين بعض مؤشرات التوازن، فإنها لم تغير جوهر الأزمة، التي ما تزال تستوجب إصلاحاً هيكلياً شاملاً.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR-RG) يتمتع بوضعية أفضل نسبياً، مع أفق استدامة يناهز 29 سنة، غير أنه بدوره ليس بمنأى عن المخاطر، بسبب استمرار ضعف تسعير الاشتراكات مقارنة بحجم الالتزامات المستقبلية.
أما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد كشف التقرير أن فرع المعاشات طويلة الأمد لن يصمد، وفق التوقعات الحالية، لأكثر من عشر سنوات، في ظل معدل تمويل مسبق لا يتجاوز 58 في المائة، وهو ما يعكس وجود اختلال هيكلي في تمويل الحقوق المكتسبة.
ولم يكتف التقرير بتشخيص الوضع، بل دعا إلى اتخاذ قرارات إصلاحية مؤلمة لكنها أصبحت، بحسب الخبراء، حتمية، من بينها مراجعة سن الإحالة على التقاعد، والرفع التدريجي لمعدلات الاشتراك، وإعادة النظر في آليات احتساب الحقوق، بهدف ضمان استدامة هذه الأنظمة وحماية حقوق الأجيال الحالية والمقبلة.
ويعيد هذا التقرير إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية، والذي ظل لسنوات رهينة الحسابات السياسية وتبادل المسؤوليات بين الحكومات المتعاقبة، حيث جرى تأجيل الحسم في الإصلاح الشامل رغم التحذيرات المتكررة الصادرة عن المؤسسات الوطنية والدولية.
ويرى متابعون أن استمرار سياسة ترحيل هذا الملف من ولاية حكومية إلى أخرى لم يعد خياراً ممكناً، لأن كل سنة من التأخير تعني ارتفاع كلفة الإصلاح، وتضييق هامش المناورة أمام صناع القرار، مع ما قد يترتب عن ذلك من إجراءات أكثر صعوبة وأشد وقعاً على الموظفين والمتقاعدين.
ويؤكد التقرير، في خلاصته، أن الإصلاح لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان استقرار المالية العمومية وحماية حقوق ملايين المنخرطين والمتقاعدين، محذراً من أن استمرار التردد قد يحول أزمة التقاعد إلى أحد أكبر التحديات الاجتماعية والمالية التي ستواجه المغرب خلال السنوات المقبلة.