هبة زووم – الرباط
عاد الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري لإثارة الجدل من جديد، من خلال تدوينة قوية انتقد فيها ما وصفه بـ”التناقض” في طريقة تعاطي الدولة المغربية مع ملفات الفساد والحكامة، معتبراً أن المغرب يعيش بمنطق “سياستين متوازيتين”: واحدة موجهة إلى الداخل تقوم، حسب تعبيره، على استمرار الفساد والزبونية والرشوة، وأخرى موجهة إلى الخارج هدفها تسويق صورة مؤسساتية براقة أمام المجتمع الدولي، خصوصاً أوروبا.
وقال الكنبوري إن الدولة، بدل أن تذهب نحو معالجة الأعطاب البنيوية بشكل فعلي، اتجهت إلى خلق مؤسسات وهيئات تحمل أسماء كبيرة وشعارات جذابة، في مقابل استمرار نفس الممارسات التي تشتكي منها فئات واسعة من المواطنين.
وفي هذا السياق، أشار إلى الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، معتبراً أنها تقدم صورة مثالية عن محاربة الفساد، بينما يستمر واقع الرشوة واستغلال النفوذ، وفق تعبيره. كما تحدث عن مجلس المنافسة، الذي يفترض أن يحارب الاحتكار ويحمي السوق، في وقت ما تزال فيه، بحسب تدوينته، “الفراقشية الكبار” والمضاربات تستنزف القدرة الشرائية للمغاربة.
ولم يتوقف الكنبوري عند هذا الحد، بل أدرج ضمن انتقاداته كذلك المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، معتبراً أن هذه الهيئات أصبحت بالنسبة للخارج دليلاً على “حداثة الدولة”، بينما يرى منتقدون أن أثرها الميداني ما يزال محدوداً أمام حجم الاختلالات الاجتماعية والحقوقية المطروحة.
وتعيد تدوينة الكنبوري إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول حدود أدوار مؤسسات الحكامة والرقابة بالمغرب، ومدى قدرتها الحقيقية على التأثير وصناعة التغيير، بعيداً عن الطابع الاستشاري أو الرمزي الذي يصفه به خصومها.
ويرى متابعون أن أخطر ما في تدوينة الكنبوري ليس فقط انتقاد المؤسسات، بل توصيفه لها باعتبارها “مؤسسات واجهة”، في امتداد لمفهوم “ديمقراطية الواجهة” الذي كان يُستعمل سابقاً لوصف المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب.
فالكنبوري يعتبر أن الدولة انتقلت من مرحلة صناعة واجهة سياسية تقوم على التعددية الحزبية والانتخابات، إلى مرحلة جديدة تقوم على خلق مؤسسات تحمل عناوين الحكامة والشفافية وحقوق الإنسان، دون أن ينعكس ذلك ـ بحسب رأيه ـ بشكل ملموس على واقع المواطنين اليومي.
وتأتي هذه التصريحات في سياق يتزايد فيه الجدل حول ملفات الفساد ونهب المال العام والاحتكار وغلاء المعيشة، خاصة بعد الأحكام القضائية الأخيرة التي طالت عدداً من المنتخبين والمسؤولين، وهو ما أعاد النقاش حول مدى جدية الدولة في الانتقال من منطق “التدبير الرمزي” للفساد إلى منطق المحاسبة الحقيقية وربط المسؤولية بالمساءلة.
وفي المقابل، يرى مدافعون عن هذه المؤسسات أنها لعبت أدواراً مهمة في ترسيخ ثقافة الحقوق والحكامة، وأن اختزالها في “واجهة شكلية” يتجاهل التراكم المؤسساتي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة، حتى وإن كانت الممارسة ما تزال تعاني من أعطاب واختلالات تحتاج إلى إصلاح أعمق.
لكن، وبين خطاب الدولة الرسمي وخطاب المنتقدين، يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع المغربي بإلحاح: هل أصبحت مؤسسات الحكامة أدوات فعلية للتغيير والمحاسبة، أم مجرد عناوين أنيقة لتجميل صورة واقع ما يزال يئن تحت ثقل الفساد والزبونية وضعف العدالة الاجتماعية؟
تعليقات الزوار