من المسؤول عن موت الأبرياء؟ فاجعة فاس تعيد ملف التعمير الفوضوي إلى الواجهة وتدفع مجلس حقوق الإنسان للمطالبة بالمحاسبة

هبة زووم – فاس
لم يكن انهيار البناية السكنية بمدينة فاس، الذي خلف إلى حدود الساعة 9 قتلى وعدداً من المصابين، مجرد حادث عرضي معزول، بل جرس إنذار جديد يكشف عمق الاختلالات التي تنخر قطاع التعمير والسكن بالمغرب، ويفضح سنوات من التراخي والتساهل مع بنايات تحولت إلى “قنابل إسمنتية موقوتة” تهدد أرواح المواطنين في كل لحظة.
وفي موقف يحمل الكثير من الرسائل السياسية والحقوقية، أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان متابعته بقلق بالغ لتداعيات هذه الفاجعة، مؤكداً أن فريقاً تابعاً لجنته الجهوية بجهة فاس-مكناس انتقل إلى عين المكان لمتابعة الحادث والتحري في ملابساته، في خطوة تعكس حجم الخطورة التي باتت تمثلها ظاهرة انهيار البنايات على الحق في الحياة والسكن الآمن.
المجلس لم يكتف بتسجيل المأساة أو تقديم التعازي، بل أعاد التذكير بتحذيراته السابقة عقب انهيارات مماثلة شهدتها أحياء أخرى بمدينة فاس، مؤكداً أن تكرار هذه الكوارث لم يعد مقبولاً، وأن الأمر يتعلق بمساس مباشر بالحق في السكن اللائق كما تضمنه المواثيق والمعايير الدولية.
البلاغ الحقوقي وضع الإصبع على الجرح الحقيقي، حين تحدث عن ضرورة الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الفاجعة إلى منطق الاستباق والوقاية، عبر المراقبة الصارمة والدورية للبنايات، وتفعيل آليات الرصد المبكر للتشققات والعيوب الهندسية، قبل أن تتحول الأحياء الشعبية إلى مقابر جماعية تحت الأنقاض.
فالمشكلة اليوم، بحسب متابعين، لا تكمن فقط في قدم البنايات أو هشاشتها، بل في منظومة كاملة من التسيب والتواطؤ وغياب المراقبة، حيث يتم التغاضي عن خروقات التعمير والبناء العشوائي، وتمنح أحياناً رخص وشهادات مطابقة في ظروف تثير الكثير من علامات الاستفهام، بينما يظل المواطن البسيط هو من يؤدي الثمن من حياته وأمنه واستقراره.
المجلس الوطني لحقوق الإنسان شدد أيضاً على ضرورة فتح تحقيق قضائي شفاف ونشر نتائجه للرأي العام، مع ترتيب المسؤوليات القانونية كاملة، في إشارة واضحة إلى أن مثل هذه الكوارث لا يجب أن تمر بمنطق “القضاء والقدر” أو أن تُطوى ملفاتها بمجرد انتهاء عمليات الإنقاذ ودفن الضحايا.
وفي العمق، تعيد فاجعة فاس طرح سؤال مؤلم: كم من الأرواح يجب أن تُزهق حتى تتحرك الجهات المسؤولة بجدية؟ وكم من بناية يجب أن تنهار حتى يتم تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
فالمغاربة لم يعودوا بحاجة إلى بلاغات التعزية بقدر حاجتهم إلى قرارات شجاعة توقف نزيف الإهمال، وتضرب بيد من حديد كل المتورطين في العبث العمراني، سواء تعلق الأمر بمهندسين أو منعشين أو مسؤولين غضوا الطرف عن اختلالات يعرفون جيداً أنها قد تتحول في أية لحظة إلى كارثة إنسانية.
ورغم تثمين المجلس للجهود الميدانية التي قامت بها السلطات العمومية وعناصر الوقاية المدنية والمتطوعون، فإن السؤال الأكبر يظل معلقاً: لماذا ننتظر دائماً سقوط الضحايا حتى نكتشف أن البناية كانت مهددة بالانهيار؟ ولماذا تتحرك آليات المراقبة فقط بعد أن يصبح الركام عنواناً لفشل التدبير العمراني؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد