هبة زووم – محمد خطاري
لم تكن ليلة عادية تلك التي عاشتها جماعة تنزولين بإقليم زاكورة، بعدما تحولت مناسبة اجتماعية بسيطة إلى كابوس صحي جماعي، إثر إصابة 83 شخصاً بتسمم غذائي جماعي، في حادثة أعادت إلى الواجهة هشاشة المنظومة الصحية والرقابية بالعالم القروي، وفضحت من جديد واقع “الانتظار حتى وقوع الكارثة” قبل التحرك.
فبين أطباق “الكسكس” وقطع “الدلاح”، سقط العشرات ضحايا وجبة يفترض أنها جمعت الناس على التضامن والمواساة، قبل أن تنتهي بمشاهد الهلع والاختناق وآلام التسمم داخل أروقة المستشفى الإقليمي بزاكورة، الذي وجد نفسه فجأة أمام تدفق جماعي للمصابين في منطقة تعاني أصلاً من خصاص مهول في البنيات والتجهيزات الصحية.
ورغم محاولات طمأنة الرأي العام بالتأكيد على استقرار أغلب الحالات، إلا أن الحادث يطرح أسئلة ثقيلة لا يمكن القفز عليها أو دفنها تحت لغة البلاغات التطمينية المعتادة.
فكيف يمكن لحادث تسمم بهذا الحجم أن يقع دون أن تكون هناك مراقبة صحية صارمة للمواد الغذائية المستعملة في المناسبات الجماعية؟ وأين هي لجان السلامة الصحية والمراقبة الميدانية التي يفترض أن تتحرك بشكل استباقي، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة التي تحول بعض المواد الغذائية إلى قنابل صحية موقوتة؟
الأخطر في هذه الواقعة ليس فقط العدد الكبير للمصابين، بل كون الحادث يعكس واقعاً صحياً هشاً بإقليم يعاني منذ سنوات من ضعف البنيات الصحية، وقلة الموارد البشرية، وغياب شروط الاستجابة السريعة للحالات الاستعجالية الكبرى. فلو تحولت بعض الحالات إلى وفيات جماعية، هل كانت المنظومة الصحية المحلية قادرة فعلاً على احتواء الكارثة؟
لقد أظهرت هذه الحادثة مرة أخرى أن العالم القروي ما يزال يعيش على هامش السياسات الصحية الحقيقية، وأن الحديث عن العدالة المجالية في الخدمات الصحية يظل مجرد شعارات تُستهلك في التقارير والخطب الرسمية، بينما المواطن البسيط يؤدي الثمن من صحته وحياته.
كما أن تكرار مثل هذه الوقائع يفضح غياب ثقافة الوقاية الغذائية والتحسيس الصحي، في وقت يفترض فيه أن تقوم المصالح المختصة بحملات توعوية ومراقبة دورية، خاصة خلال المناسبات الاجتماعية التي تعرف إعداد وجبات جماعية في ظروف غالباً ما تفتقر لشروط السلامة الصحية والتخزين السليم.
وإذا كان تدخل الأطر الطبية والتمريضية بالمستشفى الإقليمي قد ساهم في احتواء الوضع وتفادي الأسوأ، فإن ذلك لا يعفي الجهات الوصية من مسؤوليتها السياسية والإدارية في ما وقع، لأن منطق تدبير الأزمات بعد انفجارها لم يعد مقبولاً، في ظل تكرار الكوارث الصحية والغذائية بمناطق الهشاشة.
اليوم، لم يعد المطلوب مجرد فتح تحقيق روتيني لمعرفة مصدر التسمم، بل ضرورة ترتيب المسؤوليات، وإطلاق مراجعة حقيقية لمنظومة المراقبة الصحية والوقاية بالعالم القروي، قبل أن تتحول مثل هذه الحوادث إلى مشاهد اعتيادية في مغرب يدّعي تحديث منظومته الصحية بينما ما تزال “وجبة عشاء” قادرة على إدخال العشرات إلى المستشفى دفعة واحدة.
تعليقات الزوار