واجهة رقمية جديدة وخطاب قديم.. هل يغير “اتحاد بريس” صورة الإعلام الحزبي بالمغرب؟

هبة زووم – الدار البيضاء
أعلن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن إطلاق الهوية التحريرية والبصرية الجديدة لمؤسسة “الاتحاد بريس”، في خطوة يقدمها الحزب باعتبارها محاولة لمواكبة التحولات الرقمية والرهانات الجديدة التي يفرضها عصر الذكاء الاصطناعي والإعلام التفاعلي.
غير أن هذا “الانبعاث الرقمي” يعيد في المقابل طرح سؤال جوهري ظل يلاحق الإعلام الحزبي بالمغرب منذ سنوات: هل تكفي الواجهة الرقمية الحديثة لاستعادة ثقة القارئ وإنقاذ إعلام فقد الكثير من بريقه وتأثيره؟
وخلال حفل الإطلاق الرسمي الذي احتضنه أحد فنادق الدار البيضاء، حاول إدريس لشكر إعطاء الحدث بعداً سياسياً وفكرياً يتجاوز مجرد تغيير الشعار أو تحديث المنصات، مؤكداً أن الأمر يتعلق بـ”محطة جديدة في مسار النضال الإعلامي والفكري والسياسي”، وبمسؤولية جديدة تجاه المغرب والمغاربة.
لكن خلف هذا الخطاب الطموح، يطفو سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمصير الإعلام الحزبي نفسه، الذي تحول في نظر كثيرين إلى مجرد امتداد دعائي للأحزاب، فاقد للاستقلالية والجرأة والقدرة على صناعة التأثير الحقيقي داخل المشهد الإعلامي الوطني.
لشكر تحدث عن عالم تتحرك فيه المعلومة “بسرعة الضوء”، وعن زمن تختلط فيه الحقيقة بالشائعة والسبق بالسطحية، داعياً إلى تطوير الوسائل دون التخلي عن القيم.
غير أن المفارقة التي يراها متابعون، هي أن جزءاً من أزمة الإعلام الحزبي لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا أو ضعف الوسائط الرقمية، بل بفقدان المضمون النقدي والقدرة على مساءلة حتى البيت السياسي الذي يموله ويوجهه.
ففي الوقت الذي يعيش فيه الإعلام المستقل أزمات خانقة مرتبطة بالإشهار والتمويل والضغوط السياسية، تبدو بعض المنابر الحزبية وكأنها تحاول العودة إلى الواجهة عبر بوابة الرقمنة، دون أن تحسم أولاً في سؤال المصداقية والاستقلالية التحريرية.
وتحدث إدريس لشكر عن الحاجة إلى إعلام “قوي يواكب ويشرح ويناقش وينتقد ويقترح”، معتبراً أن الدول القوية لا تُبنى فقط بالموانئ والطرق والمصانع، بل أيضاً بالكلمة الحرة والعقل النقدي والنقاش العمومي المسؤول.
غير أن منتقدين يرون أن “الكلمة الحرة” لا يمكن أن تزدهر داخل إعلام تحكمه الحسابات السياسية الضيقة أو الولاءات التنظيمية، معتبرين أن التحدي الحقيقي ليس في إطلاق منصات جديدة أو هويات بصرية أكثر جاذبية، بل في إنتاج صحافة حقيقية قادرة على استعادة ثقة القارئ المغربي، الذي أصبح أكثر تشككاً في الخطاب الإعلامي الحزبي التقليدي.
كما أن دخول الإعلام الحزبي إلى عالم الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يفرض تحديات أكبر تتعلق بسرعة الخبر، والتحقق من المعطيات، ومواجهة سطوة “المحتوى السطحي” الذي يكتسح المنصات الاجتماعية، وهي معركة لا تُحسم بالشعارات وحدها، بل بجودة المحتوى وجرأة الطرح والقدرة على الاقتراب من هموم المواطن اليومية.
وفي ظل التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، من مشاريع البنيات التحتية إلى رهانات كأس العالم والتحول الرقمي، يبدو أن الرهان الحقيقي ليس فقط في تحديث الشكل، بل في إعادة تعريف وظيفة الإعلام الحزبي نفسه: هل سيكون فضاءً للنقاش العمومي الحر والنقدي؟ أم مجرد منصة سياسية جديدة بديكور رقمي أكثر حداثة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد