هبة زووم – أحمد الفيلالي
في الوقت الذي يواصل فيه محمد سعد برادة الحديث عن نجاح “مدارس الريادة” وتسريع وتيرة تحديث المدرسة العمومية، تفجّرت بمديرية مديونة واقعة صادمة تكشف حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي الذي تعيشه مؤسسات تعليمية يفترض أنها تمثل واجهة الإصلاح التربوي بالمغرب.
فثانوية “المسيرة الخضراء”، المتواجدة بمنطقة مشروع الأبرار، تحولت إلى عنوان جديد للاختلالات التي تضرب قطاع التعليم، بعدما ظلت، رغم حداثة بنائها، تشتغل بدون كهرباء، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول منطق افتتاح المؤسسات التعليمية قبل استكمال الحد الأدنى من شروط الجاهزية.
المفارقة الصادمة أن مؤسسة يُفترض أن تنخرط في ورش الرقمنة والتحديث البيداغوجي، أصبحت عاجزة حتى عن استخراج وثيقة إدارية بسيطة داخل مقرها، بعدما اضطر مدير المؤسسة ـ وفق ما أكدته مصادر من أولياء التلاميذ ـ إلى تأجيل تسليم شواهد السكنى إلى حين العودة إلى منزله واستعمال حاسوبه الشخصي لطباعة الوثائق، بسبب غياب التيار الكهربائي داخل الثانوية.
هذا الواقع، الذي وصفه عدد من المتابعين بـ”العبث التربوي”، ينسف عملياً جزءاً كبيراً من الخطاب الرسمي الذي يسوق لصورة مدرسة مغربية حديثة تعتمد الوسائط الرقمية واللوحات الذكية والفيديوهات التعليمية والتقنيات الحديثة داخل الفصول الدراسية.
فكيف يمكن الحديث عن “مدرسة الريادة” داخل مؤسسة تغرق في الظلام؟ وكيف يمكن تنزيل مشاريع الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتعلم التفاعلي في فضاء يفتقد حتى للكهرباء، وهي أبسط البنيات الأساسية لأي مؤسسة تعليمية؟
الأزمة لا تتوقف عند حدود الوثائق الإدارية، بل تمتد لتطال السير العادي للعملية التعليمية، حيث يجد التلاميذ والأطر التربوية أنفسهم في ظروف تفتقر لأبسط شروط العمل، مع تعطل الحواسيب والطابعات وأجهزة العرض والوسائل الرقمية، إضافة إلى التأثير المباشر على إنارة الأقسام والمرافق الصحية.
وما يزيد من حدة الجدل أن هذه المؤسسة ليست بناية قديمة أو مهملة، بل مؤسسة حديثة يفترض أنها تدخل ضمن الدينامية الجديدة التي تتحدث عنها الوزارة، ما يطرح تساؤلات جدية حول طريقة تدبير مشاريع البنيات التحتية التعليمية، ومدى احترام معايير الجودة والجاهزية قبل افتتاح المؤسسات واستقبال التلاميذ.
مصادر من جمعية آباء وأولياء التلاميذ أكدت أن المراسلات والشكايات وُجهت إلى الجهات المعنية منذ مدة، وأن الإجراءات الإدارية تم استكمالها، غير أن المؤسسة لا تزال تنتظر فقط وضع العداد الكهربائي وربطها بالشبكة بشكل قانوني، في مشهد يعكس بطئاً إدارياً غير مفهوم في قطاع يعتبره المسؤولون “أولوية وطنية”.
ويرى متابعون أن ما يقع بثانوية “المسيرة الخضراء” ليس مجرد حادث معزول، بل صورة مصغرة عن أعطاب أعمق تعيشها المنظومة التعليمية، حيث يتم أحياناً التركيز على لغة الأرقام والتقارير والعروض التواصلية، مقابل استمرار اختلالات ميدانية تمس جوهر العملية التعليمية وظروف التمدرس.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الوزارة عن إنتاج فيديوهات تعليمية يومية وتعميم التعليم الرقمي، ما يزال تلاميذ بمؤسسات عمومية مغربية يدرسون في فضاءات تفتقر للكهرباء، في مفارقة تختزل أزمة مدرسة عمومية تعيش على وقع شعارات كبيرة، بينما يصطدم الواقع اليومي بأعطاب أكثر بساطة وأكثر إيلاماً.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الندوات والتصريحات ولا بحجم الحملات التواصلية، بل بقدرة المدرسة العمومية على توفير الحد الأدنى من الكرامة والشروط الأساسية للتعلم، حتى لا تتحول “مدارس الريادة” إلى مجرد عنوان إعلامي جميل يخفي خلفه واقعاً يثير الكثير من القلق والأسئلة.
تعليقات الزوار