هبة زووم – محمد خطاري
تكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن محمد شوكي حجم الارتباك والتناقض الذي بات يطبع الخطاب الاقتصادي داخل الأغلبية الحكومية، في وقت يواجه فيه المغاربة موجة غلاء غير مسبوقة وتراجعاً واضحاً في القدرة الشرائية، وسط تصاعد النقاش السياسي حول دور الدولة وحدود تدخلها في ضبط الأسواق والأسعار.
فخلال لقاء سياسي بمدينة فاس، اختار رئيس فريق حزب عزيز أخنوش مهاجمة نزار بركة زعيم حزب الاستقلال عبر ما سماه “سياسات الزمن البائد”، مدافعاً بقوة عن اقتصاد السوق والمنافسة الحرة باعتبارهما خياراً استراتيجياً للمغرب لا يمكن التراجع عنه، في إشارة تحمل رسائل سياسية واضحة داخل الأغلبية نفسها، خصوصاً بعد الجدل الذي رافق ملف الأسعار والاحتكار والمضاربة.
لكن خلف هذا الدفاع النظري عن الليبرالية الاقتصادية، يطرح الشارع المغربي سؤالاً أكثر بساطة وواقعية: ماذا استفاد المواطن فعلياً من اقتصاد السوق، غير ارتفاع الأسعار وتضخم أرباح بعض الفاعلين الاقتصاديين واتساع الفوارق الاجتماعية؟
حديث شوكي عن أن دور الدولة يقتصر على “تنظيم السوق وضمان المنافسة” يعكس، في نظر عدد من المتابعين، استمرار الحكومة في التمسك بخيارات اقتصادية ليبرالية رغم الانتقادات المتزايدة الموجهة لها، خاصة بعد الأزمات المتتالية التي كشفت هشاشة السوق وضعف آليات المراقبة وغياب التوازن بين حرية المبادرة وحماية المستهلك.
كما أن استحضار مؤسسات عمومية سابقة مثل “صوديا” و”سوجيطا” و”أو سي إي” لتبرير رفض تدخل الدولة، يراه البعض محاولة لإعادة إنتاج نفس الخطاب الذي ظل يرافق موجات الخوصصة وتحرير القطاعات الحيوية منذ سنوات، دون تقديم إجابات حقيقية حول أسباب تفاقم الغلاء واحتكار بعض الأسواق وضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
واللافت في خرجات قيادات الأغلبية خلال الأشهر الأخيرة هو تضارب الرسائل السياسية والاقتصادية، حيث يدعو بعض مكوناتها إلى تشديد المراقبة والتدخل لحماية المستهلك، بينما يخرج قياديون آخرون للدفاع عن منطق السوق الحر ورفض أي عودة لما يسمونه “الاقتصاد الموجه”، ما يعكس غياب رؤية موحدة وواضحة داخل الحكومة بشأن تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية الحساسة.
وفي الوقت الذي ينتقد فيه شوكي ما وصفه بـ”الخطاب الغوغائي والشعبوي”، يرى منتقدو الحكومة أن أكبر أزمة تواجهها اليوم ليست في الشعارات، بل في الفجوة المتزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمغاربة، الذين أصبحوا يواجهون ارتفاعاً متواصلاً في أسعار المواد الأساسية والخدمات والمحروقات، دون أن يلمسوا أثراً ملموساً لوعود الإصلاح والحماية الاجتماعية.
كما أن الحديث عن “تشجيع المبادرة الحرة والاستثمار” لم يعد كافياً لإقناع فئات واسعة من المواطنين، في ظل تنامي الإحساس بأن السوق أصبحت تخضع لمنطق المضاربة والاحتكار أكثر من خضوعها لقواعد المنافسة الشفافة التي تتحدث عنها الحكومة.
ويبدو أن النقاش حول النموذج الاقتصادي المغربي مرشح لمزيد من التصعيد مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، خاصة في ظل محاولات كل طرف داخل الأغلبية التنصل من تبعات الغلاء وتحميل المسؤولية للآخر، بينما يبقى المواطن البسيط هو الطرف الذي يؤدي الكلفة الحقيقية لهذه الاختيارات الاقتصادية المتضاربة.
فبين خطاب “اقتصاد السوق” وواقع “السوق المنفلت”، تتزايد الأسئلة حول مدى قدرة الحكومة الحالية على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان العدالة الاجتماعية، دون تحويل المواطن إلى مجرد ضحية دائمة لتقلبات الأسعار وصراعات المصالح والسياسات.
تعليقات الزوار