جامعة الحسن الثاني.. عملاق أكاديمي يصطدم بأعطاب “الويفي” وواقع الهشاشة

هبة زووم – الدار البيضاء
يبدو أن مشروع التحول الرقمي داخل الجامعة المغربية، الذي رُوّج له باعتباره أحد أعمدة إصلاح منظومة التعليم العالي، بدأ يصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيداً مما تصوره واضعو “المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي” (PACT ESRI).
فبين لغة المذكرات الوزارية اللامعة، وشعارات “الجامعة الذكية” و”الحرم الجامعي المتصل”، تبرز على الأرض اختلالات بنيوية تكشف أن الرقمنة، في كثير من الأحيان، لم تتجاوز حدود الواجهة التقنية والشعارات المؤسساتية.
لقد جاءت دفاتر الضوابط البيداغوجية الجديدة لتقنن التعليم عن بعد بنسبة تصل إلى 30% من الغلاف الزمني للوحدات النظرية، في خطوة قُدمت باعتبارها تحولا استراتيجيا نحو جامعة أكثر مرونة وانفتاحاً على التكنولوجيا الحديثة.
غير أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كانت الجامعة المغربية مستعدة فعلاً لهذا التحول، أم أن الأمر يتعلق فقط بقرار تنظيمي سبق الإمكانيات الواقعية للمؤسسات الجامعية والطلبة معاً؟
في حالة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، التي تعد أكبر قطب جامعي بالمملكة، تبدو المفارقة صارخة بين حجم الطموح الرقمي وضخامة الإكراهات الواقعية.
فهذه المؤسسة التي تضم أزيد من 130 ألف طالب وأكثر من 2300 أستاذ باحث، وتؤطر مئات المسالك الدراسية، راهنت بقوة على إنشاء “الجامعة الافتراضية” ومراكز الابتكار البيداغوجي، مع توفير منصات رقمية واستوديوهات إنتاج حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
لكن خلف هذه الصورة المؤسساتية اللامعة، يكشف الواقع الجامعي عن أعطاب يومية لا تخطئها عين الطلبة والأساتذة، فشبكات الإنترنت الداخلية تعاني من ضعف متكرر وانقطاعات شبه دائمة، خاصة داخل كليات الاستقطاب المفتوح المكتظة، حيث يتحول الحديث عن التعليم الرقمي إلى نوع من “الترف التقني” غير القابل للتطبيق في بيئة تفتقر لأبسط شروط الاستقرار المعلوماتي.
ولعل تقرير المجلس الأعلى للحسابات زاد من تعرية هذا الواقع، بعدما سجل وجود فجوة هيكلية واضحة في تنزيل مشروع “الحرم الجامعي المتصل”، مشيراً إلى أعطاب تقنية وصعوبات مرتبطة بالخوادم والشبكات، فضلاً عن محدودية استفادة الطلبة من خدمات الإنترنت المجانية المعلن عنها.
غير أن الأزمة لا تتوقف عند الجانب التقني فقط، بل تمتد إلى عمق الفلسفة البيداغوجية نفسها. فالأرقام المتداولة حول التفاعل الرقمي للطلبة تكشف أن أغلبية المستخدمين لا يتعاملون مع المنصات باعتبارها فضاءً للتعلم الذاتي المستمر، بل كـ”مخزن إلكتروني” لتحميل الدروس والملفات قبل الامتحانات بأسابيع قليلة.
وهكذا تحولت الرقمنة، بدل أن تكون رافعة للتكوين والتفاعل، إلى مجرد عملية “تحميل جاف” تفرغ التعليم عن بعد من جوهره التربوي.
الأخطر من ذلك أن هذا التحول الرقمي يهدد بتوسيع فجوة اللامساواة داخل الجامعة المغربية. ففي الوقت الذي تستفيد فيه كليات الاستقطاب المحدود من إمكانيات أفضل، تعيش كليات الحقوق والآداب والعلوم الإنسانية وضعاً أكثر هشاشة، حيث ينتمي جزء كبير من الطلبة إلى أوساط اجتماعية تعجز عن توفير حواسيب شخصية أو اشتراكات إنترنت مستقرة، ما يجعل “تكافؤ الفرص الرقمية” مجرد شعار نظري بعيد عن الواقع.
أما في كليات الطب وطب الأسنان، فتبدو حدود الرقمنة أكثر وضوحاً. فالتكوين الطبي لا يمكن اختزاله في فيديوهات ومحاضرات مسجلة، لأن المهارات السريرية والتطبيقية ترتبط بالممارسة الميدانية المباشرة والتفاعل الحسي مع المرضى والأدوات الطبية، لذلك، فإن أي محاولة لتحويل هذا النوع من التكوين إلى تعليم رقمي صرف تصطدم بحقائق المهنة نفسها.
إن ما تعيشه الجامعة المغربية اليوم ليس مجرد صعوبات تقنية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تنزيل إصلاحات متوازنة تراعي الفوارق الاجتماعية والبنيات التحتية والواقع البيداغوجي.
فالتحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات أو الاستوديوهات أو البلاغات الرسمية، بل بمدى قدرة الطالب، مهما كان مستواه الاجتماعي، على الولوج الفعلي إلى تعليم جيد ومنصف وفعال.
وبين طموح “الجامعة الذكية” وواقع المدرجات المكتظة وشبكات الإنترنت المعطلة، يبدو أن الجامعة المغربية ما تزال تبحث عن الطريق الحقيقي نحو رقمنة عادلة لا تكتفي بتجميل الواجهة، بل تعالج الأعطاب العميقة التي تعيق إصلاح التعليم العالي من جذوره.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد