الدار البيضاء: السوق العشوائي يلتهم ما تبقى من المجال العام في السلام 2

هبة زووم – الدار البيضاء
في قلب السلام 2، لم يعد السوق العشوائي مجرد ظاهرة مرتبطة بالبحث عن لقمة العيش أو ممارسة تجارة بسيطة خارج الأطر المنظمة، بل تحول إلى عنوان يومي للفوضى الحضرية التي تخنق الحي وتلتهم ما تبقى من حق الساكنة في العيش داخل فضاء منظم يحترم الكرامة الإنسانية وشروط السلامة والنظافة.
فالأزقة التي كان يفترض أن تكون متنفساً للسكان ومجالاً للحركة والتنقل، تحولت تدريجياً إلى ممرات مكتظة بالعربات والباعة العشوائيين والدراجات النارية، وسط ضجيج دائم واختناق مروري وفوضى عارمة، في مشهد يعكس حجم التراجع الذي بات يطال مفهوم المدينة نفسها داخل عدد من الأحياء الشعبية بالعاصمة الاقتصادية.
ولم يعد الأمر يتعلق فقط باحتلال الملك العمومي، بل أصبح يعكس أزمة أعمق ترتبط بغياب رؤية حضرية حقيقية قادرة على التوفيق بين الحق في العمل والحق في العيش داخل بيئة سليمة ومنظمة.
فحين تغيب المراقبة وتُترك الشوارع تحت رحمة العشوائية، تنتشر النفايات والروائح الكريهة والتلوث البصري، ويتحول المجال العام إلى فضاء فاقد للحد الأدنى من النظام والهيبة.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن ما يحدث في السلام 2 يكشف بوضوح فشل المقاربات الترقيعية التي ظلت تُعتمد لسنوات في تدبير ظاهرة الباعة الجائلين، حيث يتم في كل مرة الاكتفاء بحملات موسمية محدودة سرعان ما تتبخر آثارها، دون معالجة جذرية للأسباب الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية التي تنتج هذه الفوضى بشكل مستمر.
الأخطر من ذلك، أن هذا الواقع يرسخ لدى الساكنة شعوراً متزايداً بالتهميش وغياب العدالة المجالية، خاصة عندما تقارن أوضاع أحيائهم بما تعرفه مناطق أخرى من مشاريع تهيئة وتنظيم ومراقبة صارمة للمجال العام.
فكيف يمكن الحديث عن مدينة حديثة ومتوازنة، بينما تُترك أحياء بأكملها رهينة الفوضى والتسيب وغياب التدخل المؤسساتي الفعلي؟
وتطرح الساكنة أسئلة مشروعة حول مآل الأسواق النموذجية التي صرفت عليها ميزانيات مهمة، قبل أن تتحول في كثير من الحالات إلى مشاريع مغلقة أو عاجزة عن استيعاب الباعة وتنظيم القطاع بالشكل المطلوب.
كما تتساءل عن دور السلطات المحلية والمجالس المنتخبة في حماية الملك العمومي وضمان حق المواطنين في بيئة نظيفة وآمنة تحفظ الحد الأدنى من جودة العيش.
إن الفلسفة العمرانية الحديثة لا تختزل المدينة في الإسمنت والطرقات، بل تعتبرها فضاءً للكرامة والتوازن والتنظيم واحترام الإنسان. غير أن ما تعيشه السلام 2 اليوم يعكس واقعاً مغايراً، تتحول فيه الفوضى إلى أمر اعتيادي، وتغيب فيه الرؤية الحضرية لصالح تدبير يومي مرتبك يكرس الأزمة بدل حلها.
وبين صمت الجهات المعنية واستمرار التوسع العشوائي للسوق، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى ستظل الأحياء الشعبية بالدار البيضاء تدفع ثمن غياب التخطيط الحضري الحقيقي، وتُترك وحيدة في مواجهة فوضى تلتهم المجال العام وتُفقد المدينة معناها كفضاء للعيش المشترك؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد