وزارة التعليم تحت ضغط الاحتجاجات وترقية الأساتذة تكشف فشل سنوات من التدبير المرتجل

هبة زووم – الرباط
في مشهد وصفته الشغيلة التعليمية بـ”الاستثنائي”، التأمت اللجان الثنائية المركزية، يوم الإثنين 11 ماي 2026، للتأشير على الترقيات بالاختيار برسم سنة 2024، في خطوة غير مسبوقة فتحت لأول مرة باب الولوج إلى الدرجة الممتازة أمام أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والمختصين، بعد عقود طويلة من الإقصاء الإداري والتمييز المهني الذي ظل وصمة سوداء في تاريخ تدبير قطاع التربية الوطنية.
ورغم محاولة الوزارة تقديم الأمر باعتباره “إنجازاً إصلاحياً”، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن ما وقع اليوم ليس سوى تصحيح متأخر لواحد من أكبر أشكال الظلم الذي تعرضت له فئات واسعة من نساء ورجال التعليم، الذين ظلوا لأكثر من عشرين سنة يشتغلون في الصفوف الأمامية للمدرسة العمومية، دون أن يُمنحوا نفس الحقوق المهنية التي استفادت منها فئات أخرى داخل القطاع.
لقد كشفت هذه الترقيات، بالأرقام، حجم الاختلال الذي كان قائماً داخل المنظومة، بعدما تم التأشير على ترقية 11 ألفا و985 أستاذاً بالتعليم الابتدائي، و5810 أساتذة بالتعليم الثانوي الإعدادي إلى الدرجة الممتازة، في انتظار إضافة لوائح جديدة بعد البت في الطعون، ليرتفع العدد الإجمالي إلى أكثر من 21 ألف أستاذ وأستاذة.
لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس كم عدد المستفيدين، بل: كيف تم تدبير هذا الملف طوال كل هذه السنوات؟ وكيف قبلت الوزارة المتعاقبة أن يبقى آلاف الأساتذة محاصرين داخل “سقف مهني زجاجي” حرمهم من حق مشروع في الترقي والتقدير؟
إن ما جرى طيلة العقود الماضية لم يكن مجرد خلل إداري عابر، بل سياسة ممنهجة كرست الإحباط داخل المدرسة العمومية، وأنتجت شعوراً جماعياً بـ”الحكرة المهنية”، خصوصاً لدى أساتذة الابتدائي والإعدادي الذين كانوا يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية داخل نفس الوزارة.
وإذا كانت النقابات التعليمية قد نجحت، بعد جولات طويلة من الحوار والاحتجاج، في انتزاع هذا المكسب، فإن ذلك يكشف في المقابل حجم الفشل الذي طبع تدبير الوزارة لهذا الملف، حيث لم تتحرك عجلة “الإنصاف” إلا تحت ضغط الشارع والاحتقان القطاعي، وبعد سنوات من الإضرابات والاحتجاجات التي هزت المدرسة العمومية.
الأخطر من ذلك أن الوزارة تحاول اليوم تسويق هذه الترقيات كأنها “منّة إدارية”، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق بحق تأخر كثيراً، ودفع الأساتذة ثمنه من استقرارهم النفسي والمهني والاجتماعي، في وقت كانت فيه الحكومات المتعاقبة ترفع شعارات “إصلاح التعليم” دون أن تلتفت إلى أوضاع من يشكلون العمود الفقري الحقيقي للمنظومة.
لقد أثبتت التجربة أن أي حديث عن إصلاح المدرسة العمومية يبقى مجرد شعارات جوفاء ما دام الأستاذ يعيش التهميش والضغط وفقدان الأفق المهني. فلا يمكن بناء تعليم جيد بأستاذ محبط، ولا يمكن الحديث عن الجودة في ظل استمرار منطق الترقيع والتدبير الموسمي للأزمات.
صحيح أن فتح باب الترقية إلى الدرجة الممتازة يشكل مكسباً مهماً طال انتظاره، لكنه في الوقت نفسه يفضح سنوات طويلة من سوء التدبير واللامبالاة التي جعلت آلاف الأساتذة ينتظرون أكثر من عقدين للحصول على حق بديهي داخل الوظيفة العمومية.
واليوم، وبعد هذا التطور، لم يعد المطلوب مجرد تسويات إدارية ظرفية، بل إصلاح جذري يعيد الاعتبار الحقيقي لرجال ونساء التعليم، ويقطع مع عقلية التسويف والتمييز، لأن المدرسة العمومية لن تستعيد هيبتها إلا حين يشعر الأستاذ أن كرامته وحقوقه ليست موضوع مساومة أو تأجيل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد