اليحياوي: القضاء بفرنسا يداهم قصر الإليزيه وعندنا الفساد محمي بـ”الخصوصية”

هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي لإثارة الجدل من جديد، عبر تدوينة قوية قارن فيها بين طريقة تعاطي القضاء الفرنسي مع شبهات الفساد داخل أعلى هرم السلطة، وبين واقع محاربة الفساد في المغرب، معتبراً أن الفارق لا يكمن فقط في النصوص القانونية، بل في الإرادة السياسية الحقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة.
وجاءت تدوينة اليحياوي على خلفية الجدل الذي رافق ما وصفه بـ”مداهمة” القضاء الفرنسي لقصر قصر الإليزيه يوم 21 ماي 2026، في إطار التحقيق في شبهات مرتبطة بمنح صفقات عمومية لشركة واحدة لتنظيم تظاهرات خاصة بالرئاسة الفرنسية، وسط اتهامات بتضخيم الفواتير والزبونية واستغلال النفوذ وتضارب المصالح.
واعتبر اليحياوي أن قوة الدولة لا تقاس بالشعارات أو الخطابات، بل بمدى استقلالية مؤسساتها وقدرتها على مساءلة الجميع، بمن فيهم أصحاب أعلى المناصب، مبرزاً أن القضاء الفرنسي سبق أن أدان الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، كما سُجن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي بعد مغادرته السلطة، قبل أن تمتد التحقيقات اليوم إلى محيط رئيس لا يزال في منصبه ويتمتع بحصانة دستورية.
وفي لغة لا تخلو من السخرية المريرة، استحضر الباحث العلاقة التاريخية المعقدة بين المغرب وفرنسا، قائلاً إن الدولة التي “فرضت الحماية يوماً” واحتفظت بمصالح واسعة داخل البلاد، “تبث اليوم دروساً في المحاسبة من خلف الحدود”، في إشارة إلى التناقض بين الخطاب الرسمي حول الإصلاح ومحاربة الفساد، وبين واقع الملفات التي تظل، وفق تعبيره، بعيدة عن أي مساءلة حقيقية.
ولم يكتف اليحياوي بالإشادة بما اعتبره “جرأة القضاء الفرنسي”، بل وجه انتقاداً لاذعاً إلى واقع العدالة في بلدنا، حين كتب أن إطلاق يد القضاء فعلياً في محاربة الفساد “سيحتاج إلى آلاف الأصفاد وعشرات السجون”، في إشارة إلى حجم ما يعتقد أنه فساد مستشرٍ وإفلات واسع من العقاب.
كما سخر من مفهوم “الخصوصية” الذي يُستعمل، بحسبه، لتبرير تعطيل آليات المحاسبة وعدم الاقتراب من “النافذين”، معتبراً أن هذه الخصوصية تحولت إلى غطاء لحماية شبكات المصالح وتحصين مراكز النفوذ من أي مساءلة قضائية أو سياسية.
ويرى متابعون أن تدوينة اليحياوي تأتي امتداداً لخطه النقدي الحاد تجاه قضايا الريع وتضارب المصالح والإفلات من العقاب، وهي المواضيع التي بات يثيرها بشكل متكرر عبر تدويناته المثيرة للجدل، والتي تلامس، في كثير من الأحيان، مناطق شديدة الحساسية داخل النقاش العمومي المغربي.
كما تعكس التدوينة، بحسب متابعين، تنامي النقاش داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية والإعلامية حول فعالية مؤسسات الحكامة والرقابة، وحدود استقلالية القضاء في التعامل مع ملفات الفساد الكبرى، خاصة حين يتعلق الأمر بأسماء نافذة أو بمراكز قرار حساسة.
وبين قصر الإليزيه الذي فتح أبوابه للمحققين، وواقع مغربي ما تزال فيه ملفات كثيرة توصف بـ”المحرمة”، يضع اليحياوي سؤال العدالة والمحاسبة في قلب النقاش: هل يمكن الحديث عن دولة المؤسسات دون قضاء قادر على الوصول إلى الجميع، مهما كانت مواقعهم ونفوذهم؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد