ثماني سنوات عجاف للعامل جاري.. حين تحولت الفنيدق إلى عنوان لفشل التدبير

هبة زووم – إلياس الراشدي
ثماني سنوات قضاها عامل عمالة المضيق-الفنيدق، ياسين جاري، على رأس الإدارة الترابية بالإقليم، انتهت بمشهد سيبقى وصمة في ذاكرة المنطقة، بعدما تحولت شواطئ الفنيدق إلى منصة للهجرة الجماعية، وارتمى آلاف الشباب في البحر، غير آبهين بالموت، وكأنهم يعلنون، بصمت مؤلم، فقدانهم الثقة في كل شيء.
ما وقع لم يكن مجرد حادث أمني، ولا أزمة عابرة يمكن طيها ببلاغات رسمية أو إجراءات ظرفية، بل كان شهادة إدانة قاسية لسنوات من التدبير الذي لم ينجح في صناعة الأمل، ولم يفلح في بناء الثقة، ولم يستطع أن يحول هذا الإقليم الحدودي إلى فضاء يمنح أبناءه أسباب البقاء بدل البحث عن النجاة خارج الوطن.
لقد ترك الشباب أحذيتهم وملابسهم على الرمال، لكنهم في الحقيقة تركوا وراءهم أيضاً ما تبقى من ثقة في المؤسسات، بعدما اقتنعوا بأن الوعود التي تكررت على امتداد سنوات لم تكن سوى شعارات للاستهلاك، وأن الواقع ظل أكثر قسوة من كل الخطابات الرسمية.
ثماني سنوات كانت كافية لتقييم الحصيلة. فأين هي المشاريع القادرة على امتصاص بطالة الشباب؟ وأين هي البرامج التي أعادت الأمل إلى الأسر التي فقدت مصادر رزقها بعد التحولات الاقتصادية التي عرفتها المنطقة؟ وأين هي المقاربة الترابية التي تجعل من العامل قائداً للتنمية وليس مجرد مسؤول عن تدبير الملفات الإدارية؟
إن ما عاشته الفنيدق لم يكن وليد أسبوع أو شهر، بل كان نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات، ومن غياب رؤية تنموية تستجيب لخصوصية الإقليم، الذي ظل رهين اقتصاد هش، وشباب يزداد إحباطاً عاماً بعد آخر، في وقت كانت فيه لغة الأرقام والتقارير الرسمية تتحدث عن إنجازات لا يجد المواطن أثراً لها في حياته اليومية.
ولم يعد مقبولاً أن يستمر التعامل مع مثل هذه الكوارث بمنطق أمني صرف، لأن البحر لم يجذب آلاف الشباب، بل دفعهم إليه واقع فقدوا فيه الأمل، وشعور متزايد بأن المؤسسات لم تعد تسمع صوتهم، وأن المستقبل يُبنى في أماكن أخرى غير مدنهم.
إن المسؤولية هنا ليست مسؤولية الشباب الذين خاطروا بحياتهم، بل مسؤولية منظومة كاملة أخفقت في احتضانهم. ومسؤولية الإدارة الترابية تبقى في صلب هذا النقاش، لأنها تمثل الدولة ميدانياً، وتتحمل مسؤولية تتبع التحولات الاجتماعية، واستشراف مؤشرات الاحتقان قبل أن تتحول إلى انفجار.
فهل كانت السلطة الترابية تجهل حجم الغضب واليأس الذي كان يتراكم وسط الشباب؟ وهل كانت التقارير التي ترفع إلى المصالح المركزية تعكس حقيقة ما يجري على الأرض؟ أم أن الواقع كان يُجمَّل، إلى أن جاءت مأساة الفنيدق لتسقط كل الأقنعة دفعة واحدة؟
إن أخطر ما كشفته هذه الأحداث هو انهيار الثقة. فالشباب لم يعد يصدق الوعود، ولم يعد ينتظر حلولاً، بل أصبح يرى في البحر، رغم مخاطره، فرصة أفضل من البقاء في واقع يعتبره مغلقاً.
واليوم، وبعد هذه المأساة، لم يعد السؤال هو كيف نمنع الشباب من السباحة نحو سبتة، بل كيف أوصلناهم أصلاً إلى هذه القناعة؟ وكيف تحولت مدينة حدودية كانت تنتظر أن تكون نموذجاً للتنمية إلى رمز للهروب الجماعي؟
لقد آن الأوان لإجراء تقييم حقيقي لحصيلة ثماني سنوات من التدبير الترابي بالإقليم، لأن الأحداث الأخيرة أثبتت أن المقاربة المعتمدة لم تمنع الاحتقان، ولم توقف النزيف، ولم تستطع بناء الجسر الوحيد الذي تحتاجه الدولة مع شبابها: جسر الثقة.
فالأوطان لا تُقاس بعدد المشاريع التي تُعلن في البلاغات، وإنما بعدد الشباب الذين يختارون البقاء فيها. وعندما يفضل الآلاف ركوب المجهول على العيش داخل وطنهم، فإن ذلك يعني أن الخلل أعمق بكثير من مجرد أزمة عابرة، وأن زمن المحاسبة السياسية والإدارية لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد