حراس الأمن الخاص بين وعود الإنصاف وواقع التأجيل.. هل انتصر التقنين أم انتصرت الحسابات المالية؟

هبة زووم – الرباط
رغم المصادقة بالإجماع داخل لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين على مشروع القانون الرامي إلى إخضاع حراس الأمن الخاص لمدة الشغل العادية المطبقة على باقي الأجراء، فإن النقاش الحقيقي لم يكن حول مبدأ الإنصاف، بل حول موعد دخوله حيز التنفيذ، في مشهد يعكس مرة أخرى صعوبة تحويل الحقوق الاجتماعية إلى واقع ملموس.
فبينما دافع ممثلو الشغيلة عن تقليص أجل التطبيق إلى ستة أشهر، انتهى الأمر باعتماد فترة انتقالية تمتد إلى تسعة أشهر، بعدما برر وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، ذلك بوجود التزامات مالية مرتبطة بالصفقات العمومية والحاجة إلى توفير اعتمادات إضافية.
غير أن هذا التبرير يطرح تساؤلات جوهرية: إذا كانت الدولة قد أقرت بوجود اختلال يستوجب الإصلاح، فلماذا يُطلب من الفئة المتضررة أن تنتظر أشهراً إضافية للاستفادة من حقوق تعتبر في جوهرها جزءاً من الحماية القانونية الواجبة لكل أجير؟ وهل يجوز أن تتحول الاعتبارات المالية إلى مبرر لتأجيل تصحيح أوضاع مهنية ظلت محل انتقاد لسنوات؟
لقد ظل قطاع الحراسة الخاصة من أكثر القطاعات التي أثير بشأنها الجدل بسبب ظروف العمل القاسية، وطول ساعات الاشتغال، وضعف الأجور، وهشاشة الوضعية الاجتماعية لعدد كبير من العاملين فيه.
لذلك، فإن أي خطوة تشريعية تروم تحسين أوضاعهم تظل محل ترحيب، لكنها في الوقت نفسه تخضع لاختبار المصداقية من خلال سرعة التنفيذ وفعاليته على أرض الواقع.
ويبدو أن الجدل لم يتوقف عند آجال التطبيق، بل امتد إلى مضمون المشروع نفسه، بعدما رفض الوزير تعديلاً يقضي باستثناء بعض الفئات المرتبطة بعقود مع شركات الحراسة، معتبراً أن ذلك قد يفتح الباب أمام ثغرات قانونية تسمح بالتحايل على النص وإعادة إنتاج مظاهر الاستغلال في صيغ مختلفة.
وفي المقابل، أعلن الوزير عن تنظيم يوم دراسي وإصدار دورية وزارية لمناقشة الإشكالات المرتبطة بفئات أخرى مثل حراس الضيعات الفلاحية والبوابين، وهي خطوة يراها البعض مؤشراً على أن الإصلاح لا يزال جزئياً ولم يلامس بعد مختلف الاختلالات التي يعرفها القطاع.
كما أن ربط تطبيق القانون بالعقود الجديدة بعد نشره في الجريدة الرسمية يثير بدوره مخاوف من استمرار بعض الممارسات القائمة إلى حين انتهاء العقود السارية، ما قد يخلق تفاوتاً في الاستفادة بين العاملين داخل المهنة نفسها، ويؤجل تحقيق المساواة المنشودة.
وفي العمق، تكشف هذه المناقشات عن معضلة أكبر تتجاوز النص القانوني ذاته، وتتمثل في الكيفية التي تُدار بها ملفات الحماية الاجتماعية والحقوق المهنية في المغرب، حيث كثيراً ما يتم الاعتراف بالمشكلة، لكن مع ربط الحلول باعتبارات تقنية أو مالية تؤدي إلى إبطاء وتيرة الإصلاح.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في المصادقة على القوانين، بل في ضمان تنزيلها الفعلي داخل آجال معقولة، ومراقبة مدى احترامها من طرف المشغلين، حتى لا تتحول النصوص الجديدة إلى مجرد وعود مؤجلة، بينما يظل آلاف حراس الأمن الخاص يواصلون أداء مهامهم في ظروف يطالبون منذ سنوات بتحسينها وإنصافها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد