هبة زووم – حسن لعشير
تتواصل تداعيات واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، بعدما تحولت الرحلة التي روج لها كثيرون باعتبارها “فرصة للنجاة” إلى تجربة قاسية عاشها آلاف الشباب والنساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم، بعد الوصول، أمام واقع مختلف تماما عن الصورة التي رسمتها منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، نشر الأمين العام للحزب المغربي الحر، إسحاق شرية، شريطا مصورا وثق خلاله شهادات لمهاجرين عادوا من سبتة، تحدثوا فيه عن أوضاع إنسانية وصفوها بـ”المأساوية”، مؤكدين أنهم عاشوا أياما من الجوع والعطش والتشرد، في ظل غياب المأوى وصعوبة الحصول على الغذاء أو الماء.
وبحسب ما أورده شرية استنادا إلى إفادات عدد من الشباب الذين التقاهم عند معبر باب سبتة، فإن السلطات الإسبانية شددت الإجراءات الأمنية بشكل غير مسبوق، بينما أغلقت أغلب المحلات التجارية أبوابها، الأمر الذي جعل آلاف الوافدين يعيشون أوضاعا معيشية صعبة، في وقت كان فيه سكان المدينة يواصلون اقتناء حاجياتهم عبر منافذ مخصصة لهم.
وتضمنت الشهادات المتداولة روايات عن تعرض بعض المهاجرين لعمليات سرقة واعتداء من طرف مجموعات إجرامية، وهي معطيات تبقى في حاجة إلى التحقق من الجهات المختصة، غير أنها تعكس حجم الخوف والارتباك الذي رافق تلك الأحداث.
وفي تصريح لوسائل الإعلام الإسبانية، أعلن رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، أن نحو 50 ألف شخص دخلوا المدينة عبر البر والبحر خلال يومي الأربعاء والخميس، قبل أن يعود 48 ألفا و300 شخص إلى المغرب إلى حدود مساء الجمعة، وهو رقم يعكس الحجم الاستثنائي لهذه الموجة غير المسبوقة.
وأبرزت هذه الأزمة الدور الكبير الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي في تعبئة الآلاف، بعدما انتشرت مقاطع فيديو ومعلومات مضللة فسرت بشكل خاطئ قرارا صادرا عن المحكمة العليا الإسبانية، وأوحت للكثيرين بأن من يصل إلى سبتة لن تتم إعادته إلى المغرب، في حين أوضحت السلطات الإسبانية أن القرار يتعلق فقط بمنع الإرجاع الفوري، ولا يمنع الترحيل عبر المساطر القانونية.
وهكذا، تحولت شبكات التواصل من وسيلة لتسويق “حلم العبور” إلى منصة تنقل صور التشرد واليأس، بعدما امتلأت الصفحات بمنشورات البحث عن المفقودين، ونداءات الأسر التي فقدت الاتصال بأبنائها، وصور لعائدين يروون تفاصيل رحلة انتهت بخيبة أمل كبيرة.
وتكشف هذه الوقائع أن المأساة لم تكن فقط عند لحظة اجتياز البحر أو الحدود، بل بدأت فعليا بعد الوصول، حين اصطدم آلاف الشباب بحقيقة أن الهجرة غير النظامية لا تضمن حياة أفضل، بل قد تقود إلى التشرد والجوع والخوف، بل وإلى فقدان الحياة بالنسبة لعدد من الضحايا الذين ما تزال أسرهم تنتظر معرفة مصيرهم.
وتعيد هذه التطورات طرح أسئلة عميقة حول مسؤولية الجهات التي ساهمت، عن قصد أو عن غير قصد، في نشر الأخبار المضللة، وحول دور منصات التواصل الاجتماعي في صناعة أوهام دفعت آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم، كما تضع المسؤولين أمام ضرورة معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفع هذا العدد الكبير من المغاربة إلى الهروب من وطنهم، بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية بعد وقوع الكارثة.
فالدرس الذي كشفت عنه أحداث سبتة لا يتعلق فقط بفشل حلم الهجرة، بل أيضا بفشل الخطابات التي لم تعد تقنع جيلا كاملا يبحث عن الكرامة وفرص العيش الكريم.
وعندما يصبح البحر أقل رهبة من الواقع الذي يعيشه الشباب، فإن ذلك يشكل مؤشرا خطيرا يستدعي مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، لأن معالجة النتائج دون مواجهة الأسباب لن تؤدي إلا إلى تكرار المأساة بأشكال أكثر خطورة.
تعليقات الزوار