الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية.. بيان حقوقي يضع الدولة أمام مساءلة سياسية وقانونية

هبة زووم – الرباط
لم يعد ما شهدته الحدود الشمالية للمملكة خلال يومي 30 و31 يوليوز 2026 مجرد موجة جديدة من محاولات الهجرة غير النظامية، بل تحول إلى حدث وطني استثنائي أعاد فتح النقاش حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب، وحدود المقاربة الأمنية في تدبير الظاهرة، بعدما اختارت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان توجيه واحدة من أشد بياناتها لهجة، محملة الدولة المسؤولية السياسية والقانونية عما آلت إليه الأوضاع.
فالبيان الصادر عن المكتب المركزي للجمعية لم يكتف برصد مشاهد النزوح الجماعي التي عرفتها سبتة ومليلية المحتلتان، بل اعتبرها نتيجة مباشرة لما وصفه بـ”انسداد الأفق الاجتماعي” و”فشل السياسات العمومية” في ضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، مؤكداً أن آلاف الشباب والأسر الذين خاطروا بحياتهم لم تدفعهم المغامرة بقدر ما دفعتهم، وفق تقديره، حالة اليأس والإحباط وفقدان الثقة في المستقبل.
واستند البيان إلى معطيات متداولة تحدثت عن سقوط عشرات الضحايا والمفقودين والجرحى، معتبراً أن الأمر لم يعد يتعلق بوقائع معزولة، وإنما بمؤشرات على أزمة بنيوية عميقة تستوجب معالجة سياسية واقتصادية واجتماعية، بدل الاقتصار على الحلول الأمنية.
سياسياً، حملت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الدولة مسؤولية ما وقع، معتبرة أن تراكم الفوارق الاجتماعية، واستمرار البطالة، واتساع رقعة التهميش، كلها عوامل أسهمت في إنتاج حالة من الاحتقان دفعت آلاف المغاربة إلى المخاطرة بحياتهم أملاً في مستقبل أفضل.
كما وجه البيان انتقادات حادة لما اعتبره توظيفاً سياسياً لملف الهجرة، محذراً من تحويل أوضاع الفقر والهشاشة إلى أوراق ضغط في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، ومؤكداً أن تدبير هذا الملف ينبغي أن يخضع لمقاربة حقوقية تحترم كرامة الإنسان بعيداً عن الحسابات السياسية والدبلوماسية.
ولم يتوقف البيان عند حدود التشخيص السياسي، بل قدم قراءة قانونية للأحداث، مستنداً إلى مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وخاصة المادة السادسة المتعلقة بالحق في الحياة، معتبراً أن حماية الأرواح تظل التزاماً قانونياً يقع على عاتق الدولة.
كما استحضر مقتضيات اتفاقية حقوق الطفل، التي صادق عليها المغرب سنة 1993، معتبراً أن مشاركة أعداد كبيرة من القاصرين في هذه المحاولات تطرح أسئلة جدية حول مدى احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال من مختلف أشكال الاستغلال والمخاطر التي تهدد سلامتهم.
ومن أبرز ما أثاره البيان أيضاً، انتقاده لما وصفه بـ”الصمت” الذي رافق تطورات الأحداث، معتبراً أن غياب تواصل رسمي فعال ساهم في انتشار حالة من التعبئة الجماعية والتنقل نحو مدن الشمال، في وقت كانت فيه البلاد تحتاج إلى خطاب واضح يطمئن الرأي العام ويقدم معطيات دقيقة حول حقيقة ما يجري.
وفي المقابل، لم يغفل البيان توجيه انتقادات إلى الخطابات الصادرة عن بعض تيارات اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، والتي اعتبرت المهاجرين تهديداً للمجتمعات الغربية، داعياً إلى احترام الحقوق الأساسية للمهاجرين ورفض كل أشكال التحريض والكراهية.
وعلى مستوى المطالب، دعت الجمعية إلى فتح تحقيق مستقل لتحديد الظروف التي أفضت إلى هذه الموجة الجماعية من الهجرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في حال ثبوت أي تقصير، مع مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وإطلاق برامج فعلية للتشغيل والتنمية المجالية، وتحييد الملف الإنساني عن أي اعتبارات سياسية.
كما شددت على ضرورة احترام حرية التنقل وفق ما تكفله المواثيق الدولية، إلى جانب وضع إستراتيجية خاصة بحماية الأطفال والقاصرين من مخاطر شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، فضلاً عن تجديد دعوتها إلى إدراج ملف استرجاع سبتة ومليلية المحتلتين ضمن الأولويات السياسية للدولة في إطار مسار تصفية الاستعمار.
ويعكس البيان، بغض النظر عن المواقف التي تضمنها، حجم القلق الذي أثارته أحداث الشمال داخل الأوساط الحقوقية، كما يعيد إلى الواجهة نقاشاً ظل يتكرر مع كل موجة هجرة جماعية، ويتعلق بمدى نجاعة السياسات العمومية في معالجة الأسباب العميقة للهجرة، وحدود المقاربة الأمنية عندما تغيب الحلول الاقتصادية والاجتماعية.
وبين الرواية الرسمية المنتظرة، والقراءة الحقوقية التي قدمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يبقى المؤكد أن ما شهدته الحدود الشمالية خلال الأيام الأخيرة تجاوز كونه حادثاً ظرفياً، ليصبح ملفاً سياسياً وحقوقياً بامتياز، ستكون تداعياته حاضرة بقوة في النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا أعقبته تحقيقات رسمية أو مبادرات حكومية للإجابة عن الأسئلة التي أثارتها هذه الأحداث.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد