دورة المقبرة واستقالات الأغلبية.. كيف وجد رئيس جماعة أغبالو أنكردوس نفسه وحيداً في قلب العاصفة؟

هبة زووم – الرشيدية
منذ ما يزيد على سنة وأربعة أشهر، تعيش جماعة أغبالو أنكردوس على وقع أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في تاريخها ، ويتعلق الأمر بمحاولة إحداث مقبرة فوق أراضٍ سلالية تابعة لقبيلة تغنبوت من طرف أفراد من قبيلة مجاورة، وهو مشروع أثار منذ ظهوره نقاشاً واسعاً وجدلاً متواصلاً بسبب ما رافقه من تساؤلات حول مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لمثل هذه المبادرات، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على التوازنات الاجتماعية داخل المنطقة.
ومع مرور الوقت، تحول هذا الملف من مجرد نزاع عقاري محلي إلى قضية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية معقدة، ساهمت طريقة تدبيرها في تعميق حالة الاحتقان بين الأطراف المعنية، في وقت كان ينتظر فيه السكان مبادرات أكثر قدرة على تقريب وجهات النظر وإيجاد حلول توافقية تضمن احترام الحقوق وتحافظ على السلم الاجتماعي.
وفي خضم هذه التطورات، كان رئيس جماعة أغبالو أنكردوس قد سبق له أن تقدم بشكاية لدى الجهات المختصة ضد الأشخاص الذين بادروا إلى إنشاء المقبرة خارج الأطر القانونية والمؤسساتية، معتبراً أن الأمر يدخل ضمن اختصاصات المجلس الجماعي والجهات المخول لها قانوناً اتخاذ مثل هذه القرارات.
غير أن المشهد عرف تحولاً لافتاً عندما دعا الرئيس نفسه إلى عقد دورة استثنائية للمجلس الجماعي خُصصت للتداول والمصادقة على نقطتين أساسيتين: إحداث المقبرة فوق الأرض موضوع النزاع، وفتح مسطرة نزع الملكية للمنفعة العامة من أجل إنجاز المشروع.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذه الدورة جاءت في سياق تفعيل توجيهات ومراسلات صادرة عن السلطات الجهوية دعت إلى التسريع بمعالجة الملف وإيجاد مخرج مؤسساتي له.
لكن أهمية الدورة لم تكن مرتبطة فقط بطبيعة النقط المدرجة في جدول أعمالها، بل أيضاً بالسياق السياسي الاستثنائي الذي انعقدت فيه. فقبل أسابيع من موعدها، كان المجلس يعيش على وقع أزمة داخلية غير مسبوقة بعد إعلان تسعة أعضاء من أصل ثمانية عشر عضواً استقالتهم بسبب خلافات مرتبطة بتدبير الشأن المحلي وتسيير الأغلبية المسيرة.
ورغم الإعلان عن هذه الاستقالات، فإن المسطرة القانونية لم تستكمل بشكل نهائي، بعدما لم يتم تسلمها رسمياً من طرف رئيس المجلس، وهو ما أبقى الأعضاء المعنيين محتفظين بعضويتهم القانونية الكاملة إلى حين استنفاد الإجراءات المنصوص عليها قانوناً.
وكانت التوقعات تتجه نحو أن تشكل الدورة الاستثنائية اختباراً سياسياً صعباً للرئيس، خاصة في ظل حالة الانقسام التي يعيشها المجلس. غير أن مجريات الدورة أفرزت مشهداً مختلفاً وأكثر إثارة للتساؤل، بعدما حضر الأعضاء الذين أعلنوا استقالاتهم أشغال الجلسة وشاركوا في المناقشات والتصويت، لتنتهي الدورة بالمصادقة بالإجماع على النقطتين المتعلقتين بالمقبرة.
وما زاد من غرابة المشهد أن هؤلاء الأعضاء أنفسهم كانوا قد تغيبوا عن دورات سابقة بدعوى الاستقالة، قبل أن يعودوا مباشرة بعد انتهاء الدورة إلى تجديد موقفهم وتأكيد انسحابهم من المجلس عبر توثيق استقالاتهم بواسطة مفوض قضائي.
هذا التسلسل الزمني يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا الحضور الاستثنائي. فإذا كانت الاستقالات مرتبطة بخلافات سياسية وتدبيرية داخل المجلس، ولا علاقة لها بملف المقبرة، فما الذي دفع أصحابها إلى العودة والمشاركة في دورة مخصصة لملف يعد من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الجماعة؟
ويرى عدد من المتابعين للشأن المحلي أن الأمر لا يعكس بالضرورة تراجع المستقيلين عن قرارهم، بقدر ما يكشف عن حسابات سياسية دقيقة فرضتها خصوصية الظرفية. فغيابهم عن الدورة كان من شأنه أن يضعف من زخمها السياسي ويثير تساؤلات حول مدى الإجماع المؤسساتي حول المشروع، بينما منح حضورهم القرارات المتخذة شرعية سياسية وقانونية أكبر، وساهم في تمريرها بإجماع أعضاء المجلس الحاضرين.
غير أن المفارقة الحقيقية برزت مباشرة بعد انتهاء الدورة. فبعد أن وفر المستقيلون النصاب السياسي اللازم والمشاركة المطلوبة للمصادقة على المشروع، عادوا لتأكيد استقالاتهم والانسحاب من المشهد الجماعي، تاركين رئيس المجلس في الواجهة وحده لمواجهة تبعات القرار وتداعياته السياسية والاجتماعية.
وهكذا وجد رئيس جماعة أغبالو أنكردوس نفسه في وضعية معقدة وحساسة؛ فمن جهة، كان مطالباً بالتجاوب مع التوجيهات الإدارية الرامية إلى تسريع معالجة الملف وإخراجه من حالة الجمود التي استمرت لأشهر طويلة، ومن جهة أخرى أصبح مطالباً وحده بتبرير المشروع والدفاع عنه أمام الرأي العام المحلي، وخاصة أمام أبناء قبيلة تغنبوت،الجزء الأكبر من قاعدته الناخبة و الذين يعتبرون الأرض موضوع المشروع جزءاً من حقوقهم الجماعية والتاريخية.
لقد منح أعضاء الأغلبية المستقيلون للرئيس، خلال لحظة التصويت، الإجماع الضروري لتمرير القرار، لكنهم سرعان ما غادروا الساحة السياسية، تاركين له وحده عبء تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية لما ستؤول إليه تطورات الملف مستقبلاً.
وبذلك، وجد رئيس الجماعة نفسه بين مطرقة التوجيهات والالتزامات الإدارية من جهة، وسندان الاعتراضات المحلية والانتظارات الشعبية من جهة أخرى، في معادلة سياسية دقيقة قد تحدد مستقبل هذا الملف ومستقبل التوازنات داخل المجلس الجماعي نفسه.
وفي انتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل كان الإجماع الذي طبع أشغال الدورة تعبيراً حقيقياً عن اقتناع جماعي بمشروع المقبرة، أم أنه مجرد توافق ظرفي فرضته حسابات سياسية عابرة داخل مجلس يعيش واحدة من أعمق أزماته منذ بداية الولاية الانتدابية؟ سؤال ستظل الإجابة عنه رهينة بما ستفرزه المرحلة المقبلة من تطورات ومواقف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد