فاطمة التامني تضع شراكات وزارة الشباب والثقافة تحت المجهر وتفتح ملف “الجمعيات الانتخابية”

هبة زووم – الرباط
فتحت النائبة البرلمانية عن فدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، واحداً من أكثر الملفات حساسية في علاقة الإدارة بالعمل الجمعوي، بعدما أثارت تساؤلات حول طبيعة الشراكات التي تجمع وزارة الشباب والثقافة والتواصل بعدد من الجمعيات، ومدى خضوعها لمعايير الشفافية وتكافؤ الفرص، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
التامني لم تكتفِ بانتقاد صيغة الشراكات، بل طرحت سؤالاً سياسياً ومؤسساتياً بالغ الحساسية: هل يتعلق الأمر فعلاً بسياسات عمومية موجهة لخدمة الشباب والثقافة، أم أن بعض هذه الشراكات يمكن أن تتحول إلى أدوات لبناء شبكات نفوذ انتخابية؟
وفي تدوينة نشرتها على حسابها بموقع «فايسبوك»، اعتبرت التامني أن الأمر يستحق مساءلة الرأي العام، خصوصاً عندما تكون جمعيات مستفيدة من شراكات مع وزارة عمومية، وفق ما تقول، محسوبة على الحزب الذي ينتمي إليه الوزير.
المسألة هنا لا تتعلق بمجرد اتفاقية شراكة بين وزارة وجمعية، فالشراكة العمومية في حد ذاتها آلية مشروعة لتنفيذ السياسات العمومية، وقد تكون ضرورية للوصول إلى فئات واسعة من الشباب وتأطير الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية.
لكن الإشكال يبدأ، كما تطرح التامني، عندما تصبح الانتماءات والعلاقات السياسية معياراً غير معلن للاستفادة من المال والإمكانات العمومية.
وهنا لا بد من طرح الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها بالشعارات: من اختار هذه الجمعيات؟ بأي معايير؟ كم تبلغ قيمة التمويلات؟ ما طبيعة المشاريع المنجزة؟ من يستفيد فعلياً؟ وهل تخضع جميع الجمعيات لنفس شروط الولوج إلى الشراكة؟ والأهم من كل ذلك: هل توجد آليات فعلية تمنع تضارب المصالح عندما تتقاطع الشراكة العمومية مع شبكة حزبية أو انتخابية؟
الرسالة السياسية التي تحملها تصريحات التامني واضحة: الوزارة مؤسسة عمومية وليست امتداداً تنظيمياً لأي حزب، وإذا كانت الجمعيات شريكاً للدولة في تنفيذ برامج عمومية، فإن استقلاليتها ينبغي أن تكون مضمونة، كما ينبغي أن تكون الاستفادة من التمويل والشراكات خاضعة لمعايير موضوعية قابلة للتدقيق والمراقبة.
فلا يعقل، من حيث المبدأ، أن تتحول المرافق العمومية إلى فضاءات تستفيد منها شبكات جمعوية مرتبطة بهذا الحزب أو ذاك، خصوصاً في فترة تسبق الانتخابات، ثم يُطلب من الرأي العام أن يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد “شراكة عادية”.
وفي هذا السياق، أحالت التامني تحديداً على ما وصفته بوضعية داخل المركب السوسيو رياضي بالحي المحمدي بالدار البيضاء، وهو ما يجعل الكرة الآن في ملعب الوزارة والجهات المعنية لتقديم المعطيات الكاملة للرأي العام.
والمطلوب ليس الرد السياسي، ولا الدخول في سجال حزبي مع النائبة البرلمانية، وإنما نشر المعلومة والوثيقة، فإذا كانت الاتفاقيات سليمة، والجمعيات اختيرت وفق معايير واضحة، والتمويلات خضعت للمساطر القانونية، والبرامج تستجيب فعلاً لحاجيات الشباب، فلا شيء يمنع الوزارة من تقديم هذه المعطيات وإنهاء الجدل.
أما إذا كانت هناك اختلالات أو تضارب مصالح أو استفادة غير مبررة، فإن الأمر يصبح أكبر من مجرد خلاف سياسي، ويستوجب ترتيب المسؤوليات وفق القانون.
اليوم، العمل الجمعوي يفترض أن يكون فضاءً مستقلاً لخدمة المجتمع، وليس قناة خلفية لإعادة إنتاج النفوذ الحزبي، والشباب المغربي لا يحتاج إلى جمعيات تتحول إلى أدوات موسمية تظهر قبل الانتخابات وتختفي بعدها، وإنما يحتاج إلى فضاءات وبرامج حقيقية للتكوين والثقافة والرياضة والإدماج والمشاركة المدنية.
كما أن الوزارة مطالبة بأن تضمن المساواة بين الجمعيات، والشفافية في التمويل، ووضوح معايير الاختيار، وربط الدعم بالنتائج والبرامج وليس بالولاءات، فالدولة حين تمنح جمعية دعماً من المال العام لا تمنحها هدية سياسية، وإنما تضع موارد عمومية رهن تنفيذ خدمة أو برنامج يخدم المواطنين.
في النهاية، لا ينبغي التعامل مع هذه القضية بمنطق «الحسابات الانتخابية»، لأن جوهرها مؤسساتي بالدرجة الأولى، ومن حق المجتمع المدني والإعلام والبرلمان أن يعرفوا أين تذهب الأموال العمومية، ومن يستفيد منها، ولماذا اختيرت هذه الجمعية دون غيرها.
وإذا أثبتت الوزارة أن شراكاتها شفافة ونزيهة، فإن نشر المعطيات سيكون أفضل رد على كل الانتقادات، أما إذا ثبت أن مرافق عمومية أو إمكانات الدولة جرى توظيفها لصناعة النفوذ الانتخابي، فهنا لا يعود الأمر مجرد “تبادل للاتهامات” بين الأحزاب، بل يصبح سؤالاً حقيقياً حول حياد الإدارة، ونزاهة المنافسة الانتخابية، وحماية المال العام من التوظيف السياسي.
لأن الوزارة ليست ملكاً للحزب الذي يقودها، والمال العام ليس خزينة انتخابية، والجمعيات ليست خزانات أصوات، وفي الديمقراطية، أفضل طريقة لإسكات الشبهات ليست البيانات السياسية، وإنما الوثائق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد