الرشيدية: حين يتحول مهرجان اغبالو نكردوس إلى حملة انتخابية بـ”البندير”

هبة زووم – الرشيدية
في اغبالو نكردوس، يبدو أن صيف 2026 لن يكون مجرد موسم للمواسم والاحتفالات والأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، بل بدأ يتحول، بحسب ما يثار في أوساط محلية، إلى ما يشبه موسماً انتخابياً مبكراً، تتداخل فيه الثقافة بالفن، والفرجة بالحسابات السياسية، فيما يقترب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
فالحركية غير المعتادة التي تعرفها الجماعة الترابية اغبالو نكردوس في تنظيم المواسم والتظاهرات الثقافية والفنية والرياضية والترفيهية، مقارنة بالسنوات الماضية، تطرح سؤالاً بسيطاً في شكله، لكنه ثقيل في مضمونه: هل نحن أمام طفرة ثقافية حقيقية، أم أمام مهرجانات يجري توظيفها سياسياً لاستمالة الناخبين قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية رسمياً؟
السؤال لم يأت من فراغ، خصوصاً أن اقتراب موعد الانتخابات يجعل كل نشاط جماهيري، مهما كان عنوانه الثقافي أو الفني، قابلاً للقراءة من زاوية انتخابية، خاصة عندما تتحول المهرجانات إلى فضاءات تجمع أعداداً كبيرة من المواطنين، وتوفر للمنتخبين والمرشحين المحتملين فرصة الظهور والاحتكاك المباشر بالساكنة.
في عدد من المناطق، لم تعد الحملة الانتخابية بالضرورة تحتاج إلى منصة حزبية أو تجمع سياسي معلن، فقد يكفي مهرجان، ومجموعة فنية، وموسم شعبي، و”بندير” يدق في الساحة، حتى يجد بعض السياسيين فرصة مثالية للظهور وسط الجماهير، وتقديم أنفسهم في صورة المدافع عن الثقافة المحلية والفاعل في التنمية والراعي للأنشطة الاجتماعية.
وهنا تكمن الإشكالية، فالمرشح المحتمل الذي يظهر في قلب مهرجان جماهيري، ويصافح المواطنين، ويتصدر الصور، أو يساهم في تنظيم نشاط، قد يحصل على مساحة تواصلية لا تتوفر بالضرورة لباقي المتنافسين، وبذلك تتحول التظاهرة الثقافية، ولو من دون إعلان رسمي، إلى منصة انتخابية غير معلنة.
ومع اقتراب الاستحقاقات، يزداد التخوف من أن تتحول بعض المواسم والمهرجانات إلى وسيلة للبحث عن “الأصوات المضمونة”، عبر استمالة الناخبين بالمساعدات والهدايا والأنشطة الاجتماعية، أو عبر تقديم خدمات ووعود ورسائل سياسية تحت غطاء الاحتفال الثقافي.
السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق فقط بمن يحضر هذه المهرجانات، وإنما أيضاً بمن يدفع الفاتورة؟ فكلما ارتفع عدد التظاهرات وتنوعت برامجها، تبرز الحاجة إلى معرفة مصادر التمويل، وطبيعة الاعتمادات المرصودة، والجهات التي تتولى التنظيم، والشركات والمقاولات المستفيدة من الصفقات المرتبطة بالتجهيز والتنظيم والخدمات.
وتتداول أوساط محلية معطيات وشبهات بشأن استفادة جهات محددة من صفقات مرتبطة بتنظيم بعض الأنشطة، وهي معطيات تظل بحاجة إلى التدقيق والتحقق من خلال الوثائق والعقود ومحاضر الصفقات، بدل تحويلها إلى أحكام جاهزة.
لكن مجرد تداول هذه المعطيات يكفي لطرح سؤال مشروع: هل تمر جميع الصفقات المرتبطة بهذه المهرجانات عبر المساطر القانونية وبمنافسة حقيقية وشفافة؟ وهل يتم اختيار الشركات والجمعيات المنظمة وفق معايير موضوعية، أم أن بعض المناسبات يمكن أن تتحول إلى باب خلفي لتوزيع المنافع؟
لا أحد يمكنه إنكار أهمية الثقافة والفن والتراث المحلي في تنشيط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، كما أن مواسم “أحيدوس” والتبوريدة والفنون الشعبية والمهرجانات المحلية تشكل جزءاً مهماً من الذاكرة الجماعية للمنطقة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقافة إلى واجهة لتسويق سياسي.
فالجماعة التي تعاني من اختلالات في الطرق أو الخدمات أو البنيات الأساسية لا يمكن أن تعالج مشاكلها بمهرجان موسمي، كما أن المواطن الذي يبحث عن فرص الشغل والدخل والخدمات العمومية لا يمكن أن تتحول حاجياته إلى مجرد جمهور في منصة احتفالية.
المهرجان قد يصنع الفرجة ليوم أو يومين، لكنه لا يصنع التنمية، والفنان قد يملأ الساحة بالأغاني، لكنه لا يستطيع أن يملأ الفراغ الذي تتركه مشاريع تنموية متعثرة.
ومع ارتفاع منسوب التحرك السياسي قبل الانتخابات، تبرز مسؤولية السلطات المحلية والإدارة الترابية في ضمان عدم تحويل المال العمومي أو المرافق الجماعية أو التظاهرات المدعومة من المؤسسات العمومية إلى أدوات لخدمة مرشحين محتملين.
فالرهان الحقيقي ليس منع الثقافة، ولا التضييق على المهرجانات، وإنما ضمان عدم تسييسها أو استغلالها انتخابياً، كما أن تكافؤ الفرص بين المتنافسين يقتضي أن تكون الموارد العمومية في خدمة المواطن، لا في خدمة الطموحات الانتخابية لهذا المنتخب أو ذاك.
ولهذا فإن أي حديث عن تعليمات أو توجيهات صادرة عن السلطات المختصة بشأن الحد من استغلال المهرجانات والمواسم في الحملات الانتخابية السابقة لأوانها، يبقى بحاجة إلى التحقق من مصدره الرسمي ومضمونه الدقيق، خصوصاً أن المسألة تتعلق بتدبير المال العام ونزاهة الاستحقاقات المقبلة.
اغبالو نكردوس تحتاج إلى الثقافة، وتحتاج إلى الفن، وتحتاج إلى إحياء تراثها، كما تحتاج إلى أن تكون فضاءً مفتوحاً أمام الشباب والفرق الفنية والجمعيات، لكنها تحتاج، في الوقت نفسه، إلى الوضوح والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمطلوب ليس إطفاء أنوار المهرجان، وإنما إطفاء الضوء الأحمر أمام أي محاولة لتحويله إلى حملة انتخابية مقنعة، والمطلوب ليس منع “البندير”، وإنما منع أن يتحول إيقاعه إلى غطاء لصفقات غامضة أو توزيع منافع أو استمالة ناخبين.
وفي انتظار أن تتضح الصورة، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً على المنتخبين والسلطات والمجتمع المدني: من حق المواطن أن يفرح، ومن حق الثقافة أن تحتفل، لكن هل من حق السياسة أن تختبئ خلف المهرجان؟
فحين يصبح الموسم مناسبة للثقافة، فهو تراث، وحين يتحول إلى فرجة للساكنة، فهو تنشيط، لكن حين يصبح المهرجان طريقاً إلى صندوق الاقتراع، فهنا لا يعود الأمر ثقافة ولا فناً.. بل يصبح “حطب السياسة” الذي يُشعل قبل موعد الانتخابات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد