هبة زووم – الرباط
أعاد الباحث في الشؤون التربوية والمدير الإقليمي السابق، أحمد كيكيش، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل المنظومة التعليمية المغربية، بعدما اختار قراءة نتائج البكالوريا لسنة 2026 من زاوية مختلفة، لا تتعلق بنسب النجاح أو أعداد المتفوقين، بل بجوهر العدالة التربوية ومصداقية آليات التقييم المعتمدة داخل المدرسة المغربية.
كيكيش استهل قراءته باستحضار مرحلة الوزير الراحل محمد الوفا، الذي ارتبط اسمه بحرب مفتوحة ضد الغش في الامتحانات الإشهادية، وخاصة امتحانات البكالوريا.
وهي المرحلة التي شهدت، بحسب شهادته، حجز آلاف الهواتف الذكية ووسائل الغش الإلكترونية المتطورة التي كانت تستعمل داخل مراكز الامتحان، في محاولة لإعادة الاعتبار لقيمة الاستحقاق وتكافؤ الفرص بين المترشحين.
غير أن ما يثير القلق اليوم، في نظر المتتبعين للشأن التربوي، لم يعد فقط مرتبطاً بظاهرة الغش التقليدي، بل بمنظومة التقييم نفسها، التي باتت تفرز مؤشرات تدعو إلى التساؤل حول مدى موضوعيتها وقدرتها على قياس الكفايات الحقيقية للتلاميذ.
فمن خلال عينة شملت مترشحين من التعليم العمومي والخصوصي في شعبة العلوم الفيزيائية، سجل كيكيش ملاحظات لافتة. أولها الارتفاع الكبير لنقط المراقبة المستمرة داخل مؤسسات التعليم الخصوصي، حيث تتمركز غالبية المعدلات بين 18 و19 على 20، بشكل يكاد يلغي الفوارق الفردية بين المتعلمين ويطرح تساؤلات حول معايير التنقيط المعتمدة.
الأكثر إثارة أن هذه المعدلات المرتفعة لا تنعكس بالضرورة على نتائج الامتحانات الإشهادية، سواء الجهوية أو الوطنية، حيث يظهر تفاوت واضح بين النقط المحصل عليها خلال السنة الدراسية وتلك المحققة في الامتحانات الرسمية. وهو ما يفتح الباب أمام فرضية وجود تضخم في نقط المراقبة المستمرة لا يعكس دائماً المستوى الحقيقي للمتعلمين.
وفي المقابل، يلاحظ أن التعليم العمومي ما يزال يحتفظ بهامش أكبر من التباين في التنقيط، حيث تتوزع النقط بشكل أكثر واقعية بين المتعلمين، بما في ذلك المعدلات الضعيفة والمتوسطة، وهو ما يجعل صورة التقييم أكثر قرباً من الواقع رغم كل الإكراهات التي يعانيها هذا القطاع.
هذه المعطيات تعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل ما تزال منظومة البكالوريا المغربية قادرة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين؟ أم أن بعض آلياتها تحولت إلى مصدر لاختلالات جديدة تمس جوهر العدالة التربوية؟
ويرى كيكيش أن المشكلة لا ترتبط فقط بطريقة احتساب المعدلات، بل تمتد إلى الفلسفة العامة التي تؤطر نظام التقويم والامتحانات، والتي أصبحت في نظره متجاوزة وغير قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والمعرفية التي يعرفها العالم المعاصر.
كما يوجه انتقادات مبطنة إلى أساليب التدبير التربوي الحالية، معتبراً أن جزءاً من الأزمة يرتبط بوجود فجوة بين جيل جديد من المدرسين وبين أطر ومسؤولين إداريين ما زالوا يشتغلون بعقليات وآليات لم تعد قادرة على استيعاب متطلبات المدرسة الحديثة.
ومن هنا يدعو إلى مراجعة شاملة لمنظومة البكالوريا، ليس فقط من خلال تغيير بعض الإجراءات التقنية، بل عبر إصلاح عميق يهم فلسفة التقييم نفسها، ويضمن قياس الكفايات الحقيقية للمتعلمين بعيداً عن تضخم النقط أو تفاوت المعايير بين المؤسسات.
وفي إطار هذه الرؤية، يقترح اعتماد نظام مزدوج للبكالوريا، يقوم على بكالوريا جهوية تشرف عليها الأكاديميات الجهوية وتؤهل للولوج إلى المسارات المحلية والجهوية، إلى جانب بكالوريا وطنية ذات أفق دولي تعتمد معايير أكثر صرامة وتجرى في دورة موحدة.
وبينما تستمر وزارة التربية الوطنية في الإعلان عن نسب النجاح والمؤشرات الرقمية الإيجابية، يبدو أن النقاش الحقيقي الذي تطرحه قراءة كيكيش يتجاوز لغة الأرقام، ليصل إلى سؤال أكثر عمقاً: هل ما تزال البكالوريا المغربية أداة لقياس الاستحقاق والكفاءة، أم أنها أصبحت في حاجة إلى إعادة بناء شاملة تواكب تحديات المدرسة المغربية في القرن الحادي والعشرين؟
تعليقات الزوار