هبة زووم – فاس
تشهد مدينة فاس، التي طالما قُدّمت كعاصمة علمية وروحية للمغرب، تراجعًا مقلقًا في جودة الخدمات الأساسية ومستوى عيش ساكنتها، في مفارقة صارخة مع الدينامية الصناعية والعمرانية والاقتصادية التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة.
هذا التناقض يضع المجلس الجماعي الحالي في صلب المساءلة، باعتباره الفاعل الأول المسؤول عن تدبير التحولات المتسارعة التي عرفتها المدينة.
فرغم توسع فاس عمرانيًا، واستقطابها لاستثمارات صناعية وجامعية وسياحية مهمة، فإن هذا الزخم لم ينعكس إيجابًا على الحياة اليومية للمواطنين، بل على العكس، تراكمت الاختلالات في قطاعات حيوية، على رأسها النظافة، النقل، البيئة، والتهيئة الحضرية، ما عمّق شعور الساكنة بالتهميش وسوء التدبير.
ويُعدّ ملف النظافة أحد أبرز عناوين الفشل في عهد المجلس الحالي. فقد تحولت أحياء عديدة إلى مطارح نفايات مصغّرة، في ظل تراكم الأزبال، ضعف المراقبة، وغياب تدخلات ناجعة ومستدامة.
أما المطرح المراقب، الذي يفترض أن يشكل حلًا بيئيًا، فيعيش بدوره حالة من الفوضى والاختلالات الخطيرة، من بينها تسرب مادة “الليكسيفيا” الملوِّثة، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لصحة المواطنين والتوازن البيئي.
واعتمدت فاس لعقود على رصيد أخضر محدود، أغلبه موروث عن الحقبة الاستعمارية، دون أي رؤية حقيقية لتجديده أو توسيعه.
المشاريع البيئية، وبرامج التشجير، والشريط الأخضر، بقيت مجرد شعارات على الورق، في مقابل تمدد الإسمنت بشكل عشوائي، ما خلق نوعًا من “التصحر العمراني” وأفقد المدينة جزءًا من جاذبيتها وجماليتها التاريخية.
وتعيش فاس فوضى عارمة في احتلال الملك العمومي، سواء من طرف الباعة المتجولين أو العربات غير المرخصة، وسط غياب شبه تام للزجر والمراقبة.
هذا الوضع لا يسيء فقط لصورة المدينة، بل يعكس ضعف السلطة التنظيمية للمجلس الجماعي وعجزه عن فرض احترام القانون.
ورغم التوسع العمراني الكبير، ما تزال أحياء واسعة من فاس تعاني خصاصًا حادًا في البنيات الصحية والتعليمية، والأسواق والمرافق العمومية الأساسية، نمو عمراني بلا تجهيزات موازية، يعني مدينة غير متوازنة، تتسع أفقيًا بينما تتآكل جودة العيش عموديًا.
إن ما تعيشه فاس اليوم ليس نتيجة ظرفية أو اختلال عابر، بل حصيلة غياب رؤية استراتيجية واضحة، وضعف الحكامة المحلية، وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، مدينة بتاريخ فاس ورمزيتها لا يمكن أن تُدار بعقلية التدبير اليومي وردّ الفعل.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح: هل يملك المجلس الجماعي الحالي الجرأة للاعتراف بالفشل وتصحيح المسار؟ أم ستظل فاس رهينة اختلالات تتراكم، بينما يدفع المواطن وحده ثمن سوء التدبير؟
تعليقات الزوار