السياسة بالمال أم بالنضال؟ تصريحات لبنكيران تعيد ملف الفساد الانتخابي للواجهة
هبة زووم – الرباط
فجر عبد الإله بنكيران جدلاً سياسياً واسعاً، بعدما كشف معطيات صادمة حول ما وصفه ببيع التزكيات الانتخابية داخل بعض الأحزاب السياسية، متحدثاً عن حالة بلغت فيها قيمة “تزكية انتخابية” ما يقارب 700 مليون سنتيم.
وجاءت تصريحات بنكيران خلال ندوة صحفية نظمها حزب العدالة والتنمية يوم الأربعاء 13 ماي 2026 بمقره المركزي بالرباط، خُصصت للحديث عن أسباب استقالة أحمد فطري من حزب الوحدة والديمقراطية، حيث اختار زعيم “المصباح” توجيه رسائل سياسية قوية حول ما اعتبره انحداراً خطيراً في الممارسة الحزبية والانتخابية بالمغرب.
وقال بنكيران، مخاطباً أحمد فطري: “بلغني عن أحدهم أنه كيطلب في تزكية واحدة 700 مليون سنتيم، عطاوه 500 مليون وقال لهم لا”، قبل أن يضيف بنبرة ساخرة: “لو حيدنا منها 11 مليون سنتيم ديال أزمتك، شوف شحال غادي يبقى لك”.
تصريحات الأمين العام للعدالة والتنمية لم تتوقف عند هذا الحد، بل مضت أبعد من ذلك حين أكد أن “هادشي دابا معروف في المغرب”، معتبراً أن ما عاشه أحمد فطري من ضائقة مالية بسبب التزامه السياسي يشكل، حسب تعبيره، “وسام شرف” لأنه لم يلجأ إلى “بيع التزكيات” أو استغلال العمل السياسي لتحقيق مكاسب مالية.
وأضاف بنكيران: “كاينين الأحزاب اللي كياخدوا الفلوس باش يعطيو التزكيات، وكاينين الأحزاب اللي كيعطيو الفلوس لبعض الأشخاص”، مستحضراً مقولة الزعيم الراحل المهدي بنبركة: “السياسة هي سياسة الحقيقة”.
وتعيد هذه التصريحات إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية المغربية، والمتعلق بما يُعرف بـ”المال الانتخابي” وتحول بعض الأحزاب، بحسب منتقدين، إلى فضاءات لبيع التزكيات وتوزيعها وفق منطق النفوذ والقدرة المالية بدل الكفاءة والاستحقاق السياسي.
ويرى متابعون أن خطورة تصريحات بنكيران لا تكمن فقط في الرقم الصادم الذي تحدث عنه، بل في كونه قدم صورة قاتمة عن واقع الممارسة السياسية، حين تصبح التزكية الحزبية، التي يفترض أن تكون تعبيراً عن الثقة السياسية والنضالية، مجرد “سلعة انتخابية” تخضع لمنطق البيع والشراء.
كما تطرح هذه المعطيات أسئلة محرجة حول مدى جدية الأحزاب في محاربة الفساد السياسي، في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من هيمنة المال على الاستحقاقات الانتخابية، وتراجع دور المناضلين الحقيقيين لصالح أصحاب النفوذ المالي والقدرة على تمويل الحملات.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع يهدد ما تبقى من ثقة المواطنين في العمل الحزبي، خاصة لدى فئة الشباب، التي أصبحت تنظر إلى السياسة باعتبارها مجالاً مغلقاً تتحكم فيه شبكات المال والمصالح أكثر مما تحكمه البرامج والأفكار.
وفي مقابل الصمت الذي يطبع عادة هذا النوع من الملفات، اختار بنكيران كسر “الطابو” والحديث بشكل مباشر عن ما يعتبره كثيرون أحد أكبر أعطاب المشهد الحزبي المغربي، ما يفتح الباب مجدداً أمام النقاش حول ضرورة تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الأحزاب نفسها قبل المؤسسات المنتخبة.