هبة زووم – الرباط
أثارت تصريحات راشيد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي لـحزب التجمع الوطني للأحرار، بشأن فاجعة انهيار العمارة السكنية بمدينة فاس، موجة واسعة من التفاعل، بعدما أقر بشكل صريح بأن ضحايا الحادث “لا ذنب لهم سوى أنهم أُرغموا على السكن في بناء عشوائي بسبب ظروفهم الاجتماعية”.
تصريح الطالبي العلمي، الذي جاء خلال حلوله ضيفاً على برنامج “للحديث بقية” بالقناة الأولى، بدا أقرب إلى اعتراف سياسي مباشر بفشل السياسات العمومية المرتبطة بالسكن ومحاربة الهشاشة، أكثر من كونه مجرد تعليق عابر على فاجعة إنسانية هزت الرأي العام الوطني.
فالقيادي التجمعي لم ينفِ واقع المأساة، بل أكد أن المواطنين لا يمكن أن يغامروا بحياتهم داخل بنايات مهددة بالانهيار “إلا إذا كانوا مجبرين”، وهو كلام يحمل بين سطوره إدانة واضحة لسنوات من التهميش العمراني والاجتماعي، التي دفعت آلاف الأسر المغربية إلى العيش داخل “عمارات الموت” في غياب بدائل تحفظ الكرامة والأمان.
ورغم حديث رئيس مجلس النواب عن وجود “دينامية” في مجال التعمير، والإشارة إلى اتخاذ إجراءات بعد الحوادث السابقة التي عرفتها المدينة، إلا أن انهيار بناية مكونة من ستة طوابق بمنطقة “عين النقبي” بمقاطعة جنان الورد، والذي خلف إلى حدود الساعة 14 قتيلاً و6 مصابين، يكشف أن الواقع أكثر قتامة من الخطابات الرسمية.
فما وقع في فاس ليس حادثاً معزولاً أو قدراً مفاجئاً، بل نتيجة مباشرة لعقود من التغاضي عن البناء العشوائي، وغياب المراقبة الصارمة، والتساهل مع شبكات الفساد التي راكمت الثروات عبر الترخيص العشوائي وغض الطرف عن بنايات آيلة للسقوط، تُركت لتتحول إلى قبور جماعية للفقراء.
الخطير في الأمر أن الدولة لا تتحرك غالباً إلا بعد وقوع الكارثة، حيث تُفتح التحقيقات وتُرفع الشعارات حول ربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما تستمر الأحياء الهامشية والبنايات المتصدعة في تهديد أرواح المواطنين يومياً، وسط صمت إداري وسياسي مريب.
وقد أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس فتح بحث قضائي “معمق ودقيق” لتحديد كافة الأسباب والمسؤوليات المحتملة المرتبطة بهذا الحادث، غير أن الشارع المغربي لم يعد ينتظر فقط تحديد المسؤوليات التقنية أو الإدارية، بل يطالب بمحاسبة حقيقية لكل من ساهم، بالفعل أو بالصمت، في تحويل الحق في السكن إلى كابوس يومي للفئات الهشة.
إن تصريحات الطالبي العلمي، رغم بعدها الإنساني، تعيد طرح السؤال المؤلم ذاته: إذا كانت الدولة تدرك أن المواطنين “أُجبروا” على السكن داخل بنايات غير آمنة، فلماذا تُركوا وحدهم في مواجهة الموت؟ ولماذا لا تزال مدن مغربية عديدة تعيش فوق قنابل إسمنتية موقوتة لا تنتظر سوى لحظة الانهيار؟
تعليقات الزوار