هبة زووم – سطات
لم تعد حرائق الغابات والحقول بالمغرب مجرد كوارث طبيعية عابرة، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى امتحان حقيقي يكشف بوضوح اختلالات التدبير الترابي وغياب العدالة المجالية في توزيع وسائل التدخل والإنقاذ، خاصة حين يتعلق الأمر بطائرات “الكانادير” التي يفترض أن تكون أداة وطنية لحماية الأرواح والممتلكات، لا وسيلة تدخل انتقائية تحكمها خرائط غير مفهومة ومعايير غامضة.
فكلما اندلعت الحرائق بمناطق الشاوية أو نواحي سطات، يجد السكان أنفسهم أمام المشهد ذاته؛ ألسنة النيران تلتهم الحقول والمساحات الغابوية، والدخان يخنق القرى، فيما تغيب طائرات الإطفاء عن السماء، وكأن هذه المناطق خارج مفكرة الأولويات الوطنية، أو كأن ساكنتها مطالبة بمواجهة النيران بوسائل تقليدية في زمن أصبحت فيه الدول تقيس جاهزيتها بسرعة التدخل الجوي.
وفي المقابل، يلاحظ المواطنون أن طائرات “الكانادير” تتحرك بسرعة قياسية في مناطق معينة، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المعايير المعتمدة في جغرافية التدخل، وهل يتعلق الأمر فعلاً بخطورة الحرائق فقط، أم أن هناك “مغرباً بدرجات متفاوتة” حتى في الحق في الإنقاذ والحماية من الكوارث؟
إن الشعور بالغبن الذي يسود اليوم وسط الساكنة المتضررة بالشاوية ليس نابعاً فقط من حجم الخسائر، بل من الإحساس بأن أراضيهم وحقولهم وأرزاقهم لا تحظى بالقيمة نفسها التي تمنح لمناطق أخرى.
فحين يرى المواطن طائرات “الكانادير” تحلق في نشرات الأخبار فوق بعض الجهات، بينما يظل هو وحيداً أمام الحرائق، فإن السؤال يصبح أكثر إيلاماً: هل أصبحت طائرات الإطفاء امتيازاً جغرافياً وليس خدمة عمومية وطنية؟
الأخطر من ذلك أن هذا التفاوت في التدخل لا يمس فقط الجانب البيئي، بل يضرب في العمق مفهوم العدالة المجالية الذي ظل شعاراً رسمياً يتردد في الخطب والبرامج التنموية دون أن يجد ترجمته الحقيقية على الأرض. لأن العدالة المجالية لا تعني فقط الطرق والمشاريع، بل تعني أيضاً تكافؤ الحماية وسرعة الإنقاذ حين تواجه الساكنة الكوارث والأزمات.
إن ساكنة الشاوية، التي تعاني أصلاً من هشاشة البنيات الوقائية وضعف التجهيزات الميدانية، لم تعد تطلب المستحيل، بل فقط الحق في أن تُعامل كجزء من هذا الوطن، وأن تحظى بالسرعة نفسها في التدخل والحماية، بعيداً عن منطق “المناطق النافعة” و”المناطق المنسية”.
فحين تتحول طائرات “الكانادير” إلى موضوع نقاش شعبي حول التمييز المجالي، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالحرائق، بل بثقة المواطن في عدالة الدولة نفسها. وهي ثقة تتآكل كلما شعر الناس أن الجغرافيا أصبحت تحدد قيمة التدخل، وأن بعض المناطق لا تُستحضر إلا بعد أن يتحول الحريق إلى رماد.
تعليقات الزوار