هبة زووم – محمد الداودي
لم تكن حادثة السير المأساوية التي شهدتها مدينة أرفود بالرشيدية، يوم أمس الاثنين، والتي أودت بحياة ثلاثة أشخاص وخلفت عدداً من الجرحى، مجرد واقعة عرضية تُدرج ضمن حوادث السير اليومية، بل شكلت صدمة قوية أعادت إلى الواجهة واقعاً مقلقاً يعيشه قطاع سيارات الأجرة، بكل ما يحمله من اختلالات بنيوية وتجاوزات خطيرة.
الحادث، الذي وقع بالقرب من قصر لمعاضيد، وبحسب المعطيات الأولية كان نتيجة السرعة المفرطة، يكشف مرة أخرى أن أرواح المواطنين ما تزال رهينة سلوكيات متهورة، وغياب رقابة صارمة، داخل قطاع يفترض فيه أن يكون شرياناً آمناً للتنقل، لا مصدراً دائماً للقلق والخطر.
لا أحد ينكر الأدوار الحيوية التي تلعبها سيارات الأجرة، سواء من حيث توفير خدمات النقل اليومي، أو خلق فرص الشغل لآلاف الأسر، غير أن هذه الأهمية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للتغاضي عن الاختلالات المتراكمة، أو التساهل مع ممارسات تهدد السلامة الطرقية بشكل مباشر.
فالواقع يكشف عن تفاوت صارخ بين سائقين مهنيين يلتزمون بأخلاقيات المهنة وقانون السير، وآخرين وجدوا أنفسهم خلف المقود دون تكوين حقيقي أو وعي كافٍ بحجم المسؤولية، في ظل نظام منح “رخص الثقة” الذي يثير الكثير من علامات الاستفهام، ويحتاج إلى مراجعة جذرية تضمن الكفاءة والاستحقاق بدل منطق التساهل أو المحاباة.
ولا تقف أعطاب القطاع عند حدود السلوك الفردي، بل تمتد إلى غياب آليات فعالة للمراقبة والتتبع، حيث تظل شكايات المرتفقين حبيسة رفوف اللجان، تُناقش بوتيرة بطيئة لا تتناسب مع حجم الأضرار، ما يُفرغ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من مضمونه الحقيقي.
كما أن الفوضى التي تعرفها بعض “المحطات العشوائية” داخل الشوارع، خاصة قرب المؤسسات التعليمية والأسواق، تعكس خللاً واضحاً في التنظيم الحضري، وتطرح تساؤلات حول دور السلطات المحلية في فرض احترام القانون وضمان سلامة مستعملي الطريق، خصوصاً التلاميذ.
وفي خضم هذا الوضع، يبرز إشكال آخر لا يقل خطورة، يتعلق بطريقة تدبير القطاع من الداخل، حيث يُسند أحياناً دور “الأمين” إلى أحد السائقين، في وضعية تطرح تضارباً واضحاً في المصالح، إذ يصبح الشخص نفسه خصماً وحكماً، ما يقوض مبدأ الشفافية والعدالة في اتخاذ القرارات التأديبية.
حادثة أرفود، بما حملته من مآسٍ إنسانية، يجب ألا تمر كغيرها من الحوادث، بل ينبغي أن تكون نقطة تحول حقيقية لإعادة ترتيب بيت قطاع سيارات الأجرة، عبر إصلاحات جريئة تشمل تشديد شروط منح الرخص، إدماج وسائل المراقبة الحديثة، تسريع معالجة الشكايات، وتنظيم الفضاءات المهنية بشكل يحترم القانون ويحمي الأرواح.
فاستمرار الوضع على ما هو عليه يعني ببساطة أننا نؤجل الكارثة القادمة، ونمنحها فقط وقتاً إضافياً لتقع، فكل تأخير في الإصلاح، وكل تساهل في التطبيق، وكل صمت أمام التجاوزات، هو ربح للخطأ وخسارة للأرواح.
المسؤولون عن تدبير قطاع النقل بالإقليم مدعون اليوم إلى أكثر من بيانات الإدانة والعزاء، والمواطن ينتظر أفعالاً ملموسة، وإصلاحات هيكلية، ورقابة صارمة، والضحايا، بمن فيهم ضحايا أرفود، يستحقون أكثر من الدموع: يستحقون نظاماً يحمي حياتهم، ومسؤولين يتحملون أمانتهم على أكمل وجه.
فمتى تتحول الدروس المستفادة من المآسي إلى سياسات وقائية فعلية؟ ومتى يدرك الجميع أن السلامة الطرقية ليست رفاهية، بل حق أساسي من حقوق المواطن لا يقبل المساومة؟
تعليقات الزوار