هبة زووم – الرباط
في زمن تُصبح فيه الحماية الاجتماعية مجرد شعار يتردد في الخطابات الرسمية، والقدرة الشرائية هدفاً يعلق على الجدران بينما تتبخر المدخرات في فواتير الطاقة، يتحول دعم غاز البوتان بالمغرب من رافعة للاستقرار الاجتماعي إلى نموذج صارخ لسياسة الترقيع التي تبتلع الملايير دون ضمان استدامة الحق في الطاقة للأسر المغربية.
تصريح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، خلال الندوة الصحافية عقب اجتماع المجلس الحكومي، كشف أرقاماً صادمة: الدولة تتحمل الآن 78 درهماً لدعم كل قنينة غاز بوزن 12 كيلوغراماً، بدلاً من 30 درهماً فقط قبل شهر مارس، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تفرضها تقلبات الأسواق العالمية على ميزانية الدولة.
فبينما يُحافظ على سعر القنينة عند 50 درهماً ثابتاً للمواطن، لا يزال السؤال معلقاً: إلى متى ستتحمل الخزينة العامة وحدها فاتورة الاستقرار الوهمي؟ سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر نزيف الدعم بينما يُترك المواطن يتفرج على ميزانيته وهي تُحرق في معادلة لا تضمن له إلا راحة مؤقتة؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الدعم الاجتماعي من حق مضمون إلى عبء مالي متصاعد يهدد استدامة السياسات العمومية؟
فحين تتحول سياسة الدعم إلى مجرد مسكن مؤقت، فإن أي مواطن يصبح ضحية لهذا الانزياح، فها هي القنينة تحافظ على سعرها الظاهري، وها هي الدولة تدفع 48 درهماً إضافية لكل وحدة، وها هي الميزانية تبتلع 600 مليون درهم شهرياً، بينما يُترك المواطن يعتمد على دعم قد يتبخر مع أول صدمة في الأسواق العالمية.
المعادلة التي قدمها الوزير لقجع تبدو بسيطة في ظاهرها: المواطن يدفع 50 درهماً، والدولة تتحمل الفرق، لكن التدقيق في الأرقام يكشف عن تحديات هيكلية، فالدعم الذي كان يُقدّر بـ30 درهماً للقنينة قفز إلى 78 درهماً في شهر واحد فقط، أي بزيادة قدرها 160%، هذا الارتفاع المفاجئ يعكس هشاشة نموذج يعتمد كلياً على تعويض الفارق بين سعر السوق العالمي والسعر المدعوم محلياً.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو استمرت الأسعار العالمية في الارتفاع؟ هل تمتلك ميزانية الدولة القدرة على مواكبة هذا النزيف المالي شهراً بعد شهر؟ الإجابة لا تكمن فقط في الأرقام، بل في الرؤية الاستراتيجية التي تُدبر بها سياسة الدعم على المدى الطويل.
رقم 600 مليون درهم شهرياً ليس مجرد معطى إحصائي، بل هو مؤشر على حجم الرهان الذي تخوضه الدولة لضمان استقرار القدرة الشرائية للأسر المغربية، لكن هذا الجهد المالي الضخم يطرح إشكاليات تتعلق بنجاعة توجيه الدعم: فبينما يستفيد من هذه المنظومة جميع مستهلكي البوتان بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي، تظل الفئات الهشة هي الأكثر تضرراً في حال أي مراجعة مستقبلية لهذه السياسة.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى نقاش وطني جاد حول الانتقال من الدعم المعمم إلى الدعم الموجه، الذي يضمن وصول الموارد للفئات الأكثر استحقاقاً، ويحرر جزءاً من الميزانية للاستثمار في بدائل طاقية مستدامة تقلل من تبعية المغرب للاستيراد.
الحفاظ على سعر ثابت للقنينة قد يُشعر المواطن بالاطمئنان على المدى القصير، لكنه لا يحل الإشكال الهيكلي المرتبط بتقلبات الأسواق العالمية، فالمغرب، الذي يستورد معظم حاجياته من غاز البوتان، يبقى رهينة للتقلبات الجيوسياسية والاقتصادية التي تتحكم في أسعار الطاقة.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في امتصاص الصدمات عبر الدعم المباشر، بل في بناء استراتيجية طاقية متكاملة تشمل تطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز إنتاج الغاز الحيوي محلياً، وتشجيع التحول نحو بدائل أقل تكلفة وأكثر استدامة.
لم يعد مقبولاً أن تُدبر سياسة الدعم بمنطق رد الفعل فقط. ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن العام اليوم هو: إطلاق حوار وطني شامل حول إصلاح منظومة الدعم، يهدف إلى الانتقال التدريجي من الدعم المعمم إلى الدعم الموجه للفئات الهشة، مع ضمانات اجتماعية تحمي القدرة الشرائية، اعتماد معايير شفافة ومحددة لتحديد المستفيدين الحقيقيين من دعم البوتان، مع آليات رقابة صارمة لمنع التسرب والاستفادة غير المستحقة، تسريع الاستثمار في البدائل الطاقية المحلية، خاصة في العالم القروي، لتقليل الاعتماد على الاستيراد المدعوم، مع دراسة تأثير استمرار الدعم الحالي على الميزانية العامة على المدى المتوسط، وإعداد سيناريوهات استباقية للتعامل مع أي تطور في الأسواق العالمية.
ما تعيشه الأسر المغربية مع ملف دعم البوتان ليس تحدياً ظرفياً فقط، بل هو اختبار لمصداقية السياسات الاجتماعية وقدرة الدولة على تجاوز منطق “إدارة الأزمة” لخدمة المصلحة العامة على المدى الطويل.
فإما أن تتحول وعود الحماية من كلمات في بلاغ إلى استراتيجية واضحة على الأرض، مع إرادة إصلاحية حقيقية وموارد ملتزمة، وإما أن يستمر نموذج الترقيع المالي الذي قد يُهدد استدامة الدعم نفسه في حال استمرار الضغوط الخارجية.
المواطنون لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون شفافية في التدبير، وعدالة في التوجيه، ورؤية واضحة تحمي قدرتهم الشرائية اليوم وغداً، والدولة، بمواردها وقدراتها، قادرة على أن تكون نموذجاً للحماية الاجتماعية المستدامة، لا مجرد مُسيّر لأزمة تتجدد شهراً بعد شهر.
تعليقات الزوار